فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 73
القضيّة الثانية: أنّ الّذين كذّبوا محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد بعثته ليسوا بدعا أيضا في تاريخ البشريّة، فقد سبقتهم أمم كثيرة كذّبوا رسل ربّهم، وكذّبوا بنبأ يوم الدّين، وكانت مقالاتهم في التكذيب مشابهة لمقالات مكذّبي الرسول، تشابهت أفكارهم ونفوسهم وقلوبهم.
ألم يكفر من قبلهم قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وفرعون وملؤه وقومه، وقوم لوط، وقوم شعيب؟!!.
القضيّة الثالثة: أنّ سنّة اللّه في المكذّبين الأوّلين أن يتوعّدهم بالعذاب والإهلال إذا أصرّوا على كفرهم، وأن يحقّق فيهم وعيده متى اقتضت حالتهم الّتي وصلوا إليها إنزال الهلاك فيهم، ويكون ذلك حينما تصير حالتهم حالة ميؤوسا منها يأسا كاملا ويكثر إفسادهم في الأرض.
أي: والّذين كذّبوا محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم تنطبق عليهم هذه السنّة من سنن اللّه، فليرتقبوا إهلاكهم متى صارت حالة عامّتهم ميؤوسا منها، وكثر إفسادهم في الأرض.
وقد دلّ الواقع على أنّ حالتهم العامّة لم تبلغ إلى هذا المستوى، ولهذا لم ينزل اللّه بهم الإهلاك العامّ، كما فعل بالمهلكين السّابقين، وإنّما أهلك منهم وعاقب أفرادا، ونصر في المعارك أولياءه على أعدائه، وهذه ميزة امتاز بها العرب أيّام بعثة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، مع كلّ ما كان منهم من عناد وإصرار ومشاقّة للّه ورسوله، فإنّهم لم يصلوا إلى مستوى يستحقّون به الإهلاك العامّ الشامل.
وفي عرض هذه السّنّة من سنن اللّه عزّ وجلّ تحذير ووعيد للمكذبين، بأنّهم إذا وصلت حالتهم إلى المستوى الذي يستحقّون به الإهلاك العامّ، فإنّ اللّه سيهلكهم كما أهلك الّذين كذّبوا بنبأ يوم الدين من أهل القرون الخوالي، ولن يكونوا معفيّين من تطبيق هذه السّنّة عليهم، وإهلاكهم إهلاكا عامّا شاملا، فسنّة اللّه لا تبديل لها.