فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 74
وقد عرض اللّه عزّ وجلّ في هذا الدّرس من المكذبين الأوّلين الّذين أهلكوا بسبب كفرهم وإفسادهم في الأرض ثمانية أقوام، تعجّبوا من أن يكون رسول اللّه بشرا مثلهم، واستبعدوا قضية البعث ليوم الدين، وهم:
(1) قوم نوح عليه السّلام: وقد جاء ذكرهم في هذه السّورة مع بيان أنّهم من الذين كذّبوا الرّسل من أهل القرون الأولى، وأنّهم قد حقّ عليهم وعيد اللّه لهم بالإهلاك، فأهلكوا، وإذ جاء بيان إهلاكهم مثالا لسنّة اللّه في إهلاك مكذّبي الرّسل متعلّلين بأنّهم بشر مثلهم، والمكذّبين بيوم الدين متعلّلين بأنّه أمر مستغرب عجيب لا يمكن أن يحدث، فلا بدّ أن يكون واقع حالهم كذلك، ولو لم يأت في هذا النّصّ تصريح بهذا.
وحين نستعرض قصّة نوح وقومه في سائر سور القرآن، نجد في بعضها التصريح بهذا الأمر الذي فهمناه استنباطا.
فقد جاء في عرض لقطات من قصة نوح عليه السّلام مع قومه في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول) حكاية قول نوح عليه السّلام لقومه:
أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64) .
فدلّ هذا النّصّ على أنّ حجّتهم في تكذيب رسول ربّهم لم تكن أكثر من التعجّب من كونه رجلا بشرا منهم، والتعجّب من إنذاره لهم بيوم الدّين.
وتشعر عبارة: أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ بأنّ اللّه قد أنزل على نوح عليه السّلام كتابا يجب أن يتّخذه قومه ذكرا، بعد أن يتلقّوه، ويعقلوه ويتفهّموا دلالاته.
(2) أَصْحابُ الرَّسِ: ولا بدّ أن يكون حال هؤلاء كحال قوم نوح عليه السّلام، في تعجبهم من أن يأتيهم رسول منهم، ومن نبأ البعث.