معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 83
ويمكن صوغ الدليل بطريقة أخرى تسمّى عند علماء المنطق، بالقياس الاستثنائي:
* لو لم يكن اللّه عزّ وجلّ قادرا على إعادة ما كان قد خلق بعد أن مات وفني، وهو جلّ جلاله لم يتغيّر من صفاته شيء، لما كان قادرا على بدء الخلق.
* لكنّه هو الّذي بدأ الخلق بصفاته الّتي هي له دواما من الأزل إلى الأبد.
النتيجة: فاللّه عزّ وجلّ قادر حتما على إعادة الخلق بعد فناء المخلوق إلى مثل ما كان عليه.
لكنّ أمثال هذه الصياغات الرّياضيّة لا تليق بكتاب ربّانيّ معجز في بيانه وأسلوبه ومضامينه، فجاء فيه عرض هذا الاستدلال نفسه بأسلوب السّؤال الذي ينتزع الاعتراف ويدلّ على لوازمه العقليّة، وهو الطريقة المثلى للمناظرة التي يراد بها الوصول إلى الحقّ والاعتراف به، لا المماراة بالباطل القائمة على السّفسطات والمغالطات.
وبهذا ظهر لنا أنّ إعادة الرّبّ الخالق الموتى إلى الحياة مرّة أخرى، ومرّات كثيرات، قضيّة واضحة الإمكان لا ينبغي أن يكون فيها لبس، ولا تحتاج أكثر من ثبوت الخبر عن اللّه، أو قيام الدليل العقليّ الّذي يقتضي إعادة الحياة لتحقيق العدل الذي تقتضيه الحكمة.
وما دامت القضيّة بهذا الوضوح الفكريّ، فالّلبس الّذي وقع فيه الكافرون المكذبون بالبعث للحياة الأخرى، ليس منزعه شبهة فكريّة ذات قيمة، أو ذات وزن في عالم المفاهيم الفكريّة، حتّى تناقش وتدفع بالحجّة.
إنّ هذا اللّبس يتساقط تلقائيّا من نفسه، متى رجع منكر البعث إلى بصيرته الفكريّة الذّاتيّة، بعد التنبيه الذي يحدثه في فكره السّؤال المطروح.