معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 82
العقليّ الحتميّ، فلا يأخذون باللّازم مع اعترافهم بالملزوم، فهم كمن يعترف بطلوع الشّمس لكنّه ينكر وجود النهار في الأراضي الّتي تشرق عليها الشمس.
لقد التبس عليهم الأمر بالنسبة إلى خلق جديد، على الرّغم من مساواته للخلق الأوّل مساواة تامّة، وعلى الرغم من أنّ المنطقيّة العقليّة تفرض أن لا يكون لديهم أيّ لبس من خلق جديد مساو للخلق الأوّل.
وهذا الاستدلال استدلال برهانيّ لا سبيل إلى ردّه، أو نقضه، أو إيراد أيّ احتمال يبطل الاستدلال به، أو يجعل فيه شكّا أو شبهة.
فمن كان قادرا على شيء إبداعا، كان قادرا على مثله، ما دامت صفاته على حالها، لم تتغيّر ولم تتناقص.
وصوغ الدليل بالأسلوب الرّياضي المنطقي مما يسمّى عند علماء المنطق بالقياس الاقتراني، نستطيع تقديمه بما يلي:
المقدّمة الصّغرى: اللّه عزّ وجلّ قد خلق الخلق الأوّل بقدرته وعلمه وحكمته، تنفيذا لما سبق به قضاؤه وقدره، وصفاته لا تتغيّر من الأزل إلى الأبد سبحانه.
المقدّمة الكبرى: وكلّ قادر على الخلق الأوّل، دون أن تتعرّض صفاته لأيّ تناقص أو تغيير، قادر على إعادة ما كان قد خلقه، إذا انعدم أو فنيت ذرّات جسده.
النتيجة: فاللّه عزّ وجلّ الّذي لم يتغيّر من ذاته ولا من صفاته شيء، لأنّ ذاته وصفاته واجبة الوجود من الأزل إلى الأبد، قادر حتما على أن يخلق نظير الخلق الأوّل ابتداء أو إعادة.
ولا مجال للتّهرّب من قبول هذه النتيجة بعد التّسليم بمقدّمتيها.