معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 81
الأوّل. وهو ما زال ولن يزال من الأزل إلى الأبد على ما هو عليه في ذاته وصفاته، لا يعيا بإعادة الخلق بعد فنائه، ولا يعجز عنه.
إذن: فكيف يقع في توهّم المكذّبين بيوم الدّين، وبالبعث للحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء، استبعاد هذا الإحياء بعد الموت، استبعادا يجعله في تصوّرهم أمرا غير ممكن الوقوع؟!
هذا الدّليل دليل برهانيّ موجّه للّذين بدأت السّورة بالحديث عنهم، وهم الكافرون الذين قالوا: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) .
* قول اللّه تعالى: بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15) .
اللّبس: بإسكان الباء وفتحها في اللّغة: اختلاط الأمر. يقال لغة:
فلان في رأيه لبس، أي: في رأيه اختلاط.
ويقال: التبس عليه الأمر، أي؛ اختلط واشتبه.
وجاء الإضراب بحرف بَلْ بعد طرح السؤال الاستفهاميّ التّعجيبيّ أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ؟! ليدلّ هذا الإضراب على أنّ جوابهم سيكون حتما:"لا"، لأنّ الواقع المشاهد دامغ لهم، وهم لا يستطيعون جحوده، ولو بالمكابرة، إلّا إذا فقدوا عقولهم وحواسّهم.
ولكن يلزم من اعترافهم بعدم العجز في الخلق الأوّل، أن يعترفوا بأنّ الخالق جلّ جلاله لا يعجز عن الخلق الجديد، الذي تتمّ به إعادة الموتى إلى الحياة بعد فناء أجسادهم، فهذا لازم عقليّ حتميّ.
لكنّهم لم يعترفوا بهذا اللّازم العقليّ، ولم يؤمنوا بوقوعه بعد البيانات الرّبّانيّة المنزّلة على الرّسول المؤيّد بالمعجزات الباهرات. بل هم في لبس من خلق جديد، بتأثير رغباتهم وأهواء نفوسهم.
لقد قطعوا الصّلة بين القضيّة المشهودة الحسّيّة ولازمها المنطقيّ