فهرس الكتاب

الصفحة 1444 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 85

وهذا الدرس السادس يثبت أنّ كلّ ما يعمله الإنسان، وكلّ شيء يحدث في جسده أو نفسه أو فكره، حتّى ما توسوس به نفسه وسوسة خفيّة لا تصل إلى مستوى الفكرة الجليّة، مشمول بعلم الرّبّ جلّ جلاله وعظم سلطانه. فهو خالقه العليم بكلّ دقائقه، المسيّر لكلّ خليّة فيه، ولكلّ أجزاء كلّ خليّة فيه، وبأمره أو بإذنه عزّ وجلّ يحدث كلّ صغير وكبير في الإنسان وفي الوجود كلّه، من أصغر جزء في كلّ ذرّة، إلى أكبر مخلوق في الوجود كلّه.

ولو لا شمول علم اللّه كلّ شيء، وتسييره لكلّ شيء، وهيمنته على كلّ شيء، لفسد نظام الكون، ولتضاربت حركاته، ولما انطلق كلّ شيء إلى غايته المرسومة له بإحكام وإتقان، ولدمّر بعضه بعضا.

* قول اللّه تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ: في هذه العبارة تنبيه على أنّ اللّه عزّ وجلّ بعظمة ربوبيّته، الّتي دلّ عليها ضمير المتكلّم العظيم، لا بدّ أن يكون عليما بكلّ دقائق ما يسيّر أجزاءه، مهما صغرت، وعليما بكل متحرّك فيه وساكن، وعليما بما يصدر عنه من حركات إراديّة، وسلوك إراديّ ظاهر أو باطن، وعليما بخواطره، وعليما بإراداته الّتي يريدها، وعزماته الّتي يعزمها، وشهواته الّتي يشتهيها، ونيّاته التي ينويها، وعواطف قلبه الّتي يحسّ بها، حتّى ما توسوس به نفسه من أمور قد لا تصل إلى مستوى التفكير الواضح. وجاء تأكيد هذه القضيّة بعبارة وَلَقَدْ لأنّ الكلام موجّه للمكذّبين بيوم الدين.

إن الخالق العظيم الجليل الّذي خلق هذا الإنسان المتقن العجيب، الّذي فضّله على غيره ممّن خلق، فجعله في أحسن تقويم، وجعله من خلايا عجيبة التركيب، وعجيبة العمل داخل جسمه، ويسيّر فيه كلّ دقيقة:

من دم، وغذاء، وطاقة، وحرارة، وجرثومة، وكلّ دقيقة من الفضلات الّتي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت