معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 86
ينبغي أن تطرح ويتخلّص منها جسمه، ويوجّه كلّ جزء من أجزائه مهما صغر إلى مكانه المقدّر له، بإتقان وإحكام غاية في الإبداع والتعظيم والتّسيير، هل يعقل أن لا يكون عليما بأعماله الاختيارية، وعليما بما توسوس به نفسه؟!
إنّ البديهة العقليّة تثبت بما لا شكّ فيه أنّ اللّه جلّ جلاله لا بدّ أن يكون عليما بكلّ ما يصدر عن الإنسان، حتّى ما توسوس به نفسه من خواطر عابرة غير مسؤول عنها.
* قوله تعالى: وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ:
الوسوة: والوسواس: حديث النّفس. وأصل الوسوسة الصّوت الخفيّ، ومنه صوت الحليّ.
يقال لغة: وسوس يوسوس وسوسة ووسواسا.
والاسم منه:"الوسواس"ويطلق هذا اللّفظ على الشيطان، لأنّه يوسوس في صدور النّاس، ويطلق أيضا على همس الصّيّاد الذي يخفي صوته لئلا يحسّ به الحيوان المراد صيده.
وذكر اللّه عزّ وجلّ علمه بما توسوس به نفس الإنسان من خواطر خفيّة جدّا، للإشعار بأنّه يعلم كلّ شيء يصدر عن الإنسان، فعلمه بأخفى الأشياء يدلّ على علمه بما هو دون ذلك في الخفاء، من باب أولى، فضلا عن الأشياء الظاهرة الّتي لا خفاء فيها.
قوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ.
في هذه العبارة تقريب لفكرة شمول علم اللّه لما يعمل الإنسان في ظاهره وباطنه، حتّى ما توسوس به نفسه.
وجاء في العبارة استخدام ضمير المتكلّم العظيم، لما في الموضوع المتحدّث عنه من عظمة ربوبيّة الرّبّ.