معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 111
دلّ على هذا التخاصم المطويّ الذّي لم يأت في النّصّ تصريح بأقوال أيّ من المتخاصمين، قول اللّه عزّ وجلّ في الآية التالية:
قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28)
أي: قال اللّه عزّ وجلّ للّذين يتخاصمون لديه من كفّار الإنس وقرنائهم من شياطين الجنّ: لا تختصموا لديّ وقد قدّمت إليكم بالوعيد. أي: فكل واحد منكم يناله من العقاب على مقدار جرائمه الّتي ارتكبها في الحياة الدنيا، فلا تزر وازرة وزر أخرى، فمن كفر من الإنس وطغى وأجرم فقد اكتسب خطاياه وهو حرّ الإرادة، يملك الأهليّة التامّة للتكليف والمسؤوليّة وتحمّل النتائج. ومن كفر وأغوى من شياطين الجنّ ووسوس بالشرّ، وسوّل مطمعا بالباطل، فقد اكتسب خطاياه، وهو حرّ الإرادة، يملك الأهليّة التامّة للتكليف والمسؤوليّة وتحمّل النتائج.
وقانون الحساب، وفصل القضاء، والجزاء، وما تضمّن كلّ ذلك من وعيد، قد كان مبيّنا مفصّلا فيما أنزلت من كتاب، وفيما بيّنه وشرحه رسولي.
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29) .
أي: إنّ القول الذي سبق منّي في بيان تكاليف الدّين، وفي بيان الوعيد الذي قرّرته حتما على الكافرين والمجرمين، لا تبديل له، فلا مطمع لأحد بأن يجد لنفسه مخرجا، أو معاذير يعتذر بها، أو جدليّات يخاصم بها، سواء أكان من الإنس أم من الجنّ.
وفي تنفيذ وعيدي لا أظلم عبيدي مثقال ذرّة.
قد يسأل سائل: لماذا جاء في النصّ استعمال"ظلّام"وهو من صيغ المبالغة، ونفي كونه ظلّام لا يقتضي نفي كونه ظالما؟!
أقول: جاء في القرآن بيان أنّ اللّه عزّ وجلّ لا يظلم مثال ذرّة.