معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 139
لم يكلّف أن يجبر الناس على الإيمان والإسلام، فما هو مرسل لأن يكون جبّارا مسلّطا عليهم بالقهر، ومكرها لهم على اتّباعه.
أي: إنّهم في رحلة امتحان، والامتحان من لوازمه العقليّة التخيير، أمّا الجبر والإكراه والقهر فأمور تتناقض مع الامتحان والتخيير، ولو شاء اللّه جل جلاله ذلك لسلبهم التخيير، ولجعلهم مجبورين، وعندئذ فلا بدّ أن يكونوا جميعا مطيعين له، لا يعصون اللّه فيما أمرهم به، ويفعلون دواما ما يؤمرون، كالملائكة، لكنهم نوع آخر، إنهم مخلوقون للامتحان، فهم ذوو إرادات حرّة تختار، دون جبر ولا إكراه.
* فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ: أي: وبما أنّك لست عليهم بجبّار مكره لهم على الإيمان والإسلام، وقد سبق أن بلّغتهم ما أمرك اللّه بأن تبلّغهم إيّاه، وهو ما أنزلناه عليك في نجوم التنزيل السابقة لسورة (ق) فإنّ وظيفتك بالنّسبة إلى هؤلاء المكذبين المعاندين، هي التذكير بما سبق أن بلّغتهم إياه، وهذا التّذكير توجّهه فقط لمن لم يبلغوا إلى حالة ميؤوس منها. أمّا الذين بلغو إلى حالة ميؤوس منها فلا تضع وقتك وجهدك بتذكيرهم.
إنّ الميؤوس من استجابتهم لدعوتك هم الذين تدرك من تصرّفاتهم أنّهم لا يخافون وعيد اللّه بالعقاب، بل يعاندون ويكابرون، وأنت لا ترجو مستقبلا أن يحصل لديهم الخوف من وعيد اللّه وعقابه.
هذا ما يدلّ عليه فعل المضارع يَخافُ أي: تشعر بأنه يخاف الآن، أو ترجو أو تطمع بأن يخاف مستقبلا، لأمارات خير تلاحظها فيه.
وبهذا انتهى تدبر السورة على ما فتح اللّه به.