فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 158

ولعلّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم اقتبس من أدب هذه الملاطفة الجادّة في النداء، فنادى عليّا رضي اللّه عنه بقوله له:"يا أبا تراب"حين طلبه، فوجده في المسجد نائما متوسّدا التّراب.

وقد جاء بعد يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قوله تعالى: قُمْ فَأَنْذِرْ (2) .

وجاء بعد يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) ، إشعارا بأنّ هذه الرّسالة الرّبّانيّة رسالة جدّ واجتهاد ونهوض إلى العمل في الدّعوة وفي العبادات الخاصّة، وقد اصطفاك اللّه لها واجتبى المحسنين والأبرار من أمّتك ليقوموا بوظائفها من بعدك، فلا يليق بمن يصطفى لها التّدثّر والتزمّل بالثياب، والراحة والنوم إلّا بمقدار الحاجة الشديدة، أمّا القعود والإخلاد إلى الراحة، والتّدثّر والتّزمّل بثياب الاضطجاع والنوم، فهو شأن أهل الكسل، لا شأن من يجتبون للعمل الجادّ، والكدح المتواصل، وحمل المهمّات الجسام، والراحة لا تؤخذ فيها إلّا بمقدار الحاجة فقط.

[سورة المزمل (73) : الآيات 2 إلى 4]

قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4)

* قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) .

قم: فعل أمر من قام يقوم قوما وقياما. والقيام هو ضدّ الجلوس، ويأتي القيام بمعنى العزم، يقال لغة: قام يفعل كذا، أي: عزم على فعله.

وقام بالأمر، أي: فعله. وقام فلان اللّيل، أي: بقي صاحيا فيه لم ينم. ويكنّى عن عبادة اللّه فيه بعبارة:"قام اللّيل"وخصّت هذه العبادة غالبا بعبادة الصّلاة في اللّيل، ولهذا فهم المفسّرون من قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ قم للصّلاة في اللّيل. ودلّ الاستثناء بقوله تعالى: إِلَّا قَلِيلًا على أنّ المراد بأداة التعريف"أل"في:"اللّيل"الاستغراق، فهي مثل لفظ"كلّ"إذ الاستثناء دليل على أنّ المستثنى منه عامّ مستغرق كلّ أفراده أو أجزائه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت