معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 196
ولهذا كان كلّ جزء من أجزاء ميادين وساحات امتحانه في الحياة الدّنيا، المادّيّة والمعنويّة، الجسديّة والنفسيّة، ذا طريقين نجدين واضحين جليّين، والسّالك في أيّ واحد منهما لا يتحقّق له العبور إلّا بمكابدة وكدح.
إنّ كون الإنسان مخلوقا في كبد، وهو ما أبانه الدرس الأوّل من دروس السورة بصورة مؤكّدة جدّا، يدلّ ذوي الألباب على أنّه مخلوق ممتحن في ظروف هذه الحياة الدّنيا، وهذه القضيّة ذات لوازم فكريّة كثيرة.
* فمن لوازمها أنّه لا بدّ أن يكون مزوّدا بكلّ الخصائص الّتي تؤهّله لأن يكون مخلوقا ممتحنا، وقد جاء هذا مفصّلا في عدد من سور القرآن المجيد.
* ومن لوازمها أن يبيّن له ما يطلب منه في رحلة امتحانه أن يعمله، متحملّا مكابدة عمله، وما يطلب منه في رحلة امتحانه أن يتركه أو يجتنبه، متحمّلا مكابدة تركه أو اجتنابه.
وقد جاء التنبيه على هذا في قول اللّه عزّ وجلّ:
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (10) .
أي: أبنّا له ما يطلب منه أن يعمله، وما يطلب منه أن يتركه أو يجتنبه، بالكتب المنزّلة، وببلاغات المرسلين، وببصيرة العقل، وبالحسّ الوجدانيّ، وهو واعظ اللّه في قلب كلّ مؤمن.
الحديث عن نوع الإنسان في هذه السّورة مع إرادة العموم أو إرادة الخصوص:
جاء الحديث عن نوع الإنسان في هذه السورة بقول اللّه عزّ وجلّ:
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (4) والمراد كلّ فرد من أفراده، إذ الواقع يؤيّد