معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 205
فقراء، يفوّت على الفقراء الحقيقيّين سدّ حاجاتهم، أو ضروراتهم إلى الطعام.
فالحال في أيّام المجاعات ليست كالحال في الأيّام الأخرى، إنّ أيّام المجاعات يجب فيها التحرّي عن الفقراء حقيقة، حتى لا يأكل المساكين المتظاهرون بالفقر وهم غير فقراء طعامهم الذي يبذل لسدّ حاجاتهم، أو ضروراتهم.
وجاء ذكر المسكين ذي المتربة في هذا النّصّ، دون ذكر الفقير المتعفّف الّذي لا يسأل النّاس إلحافا، لأنّ أيّام المجاعات أيّام محرجات، تجعل الفقراء المتعفّفين يتحوّلون إلى مساكين يظهرون حاجاتهم إلى الطّعام، فلا يبقى متعفّفون عن المسألة، لأنّ الضرورة فيها تعريض الأنفس إلى الموت من الجوع، ولا يقتصر الأمر على الرّضا بشظف العيش.
وقد خصّ اللّه عزّ وجلّ بالذكر لدى عرض بعض عناصر اقتحام العقبة النفسيّة المبنيّة على القاعدة الإيمانيّة، من فضائل الأعمال الإنسانيّة التي ترضيه جلّ جلاله، عتق الرّقاب، وإطعام اليتامى من الأقربين، والمساكين من الفقراء الحقيقيين، في أيّام المجاعات، اهتماما بالتوجيه للفضائل الاجتماعيّة العظمى ذوات الأولويات في تدرّج أحكام الدّين، وذهن المتدبّر يضمّ إلى هذه الفضائل سائر شرائع الإسلام وأحكامه.
فالرّحمة بالبائسين والضّعفاء وذوي الضرورات والحاجات، والعطف عليهم ومساعدتهم، ورفع البؤس والضرورة والحاجة عنهم، بعد الإيمان وآثاره المباشرة مع اللّه جلّ جلاله، تقع في أوليات مطالب الرّبّ من عباده المؤمنين.