معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 207
السبب الأول: اليتم، وهو الأمر الذي يفقد به اليتيم معيله الحاني عليه.
السبب الثاني: القرابة النسبيّة، ومعلوم من قواعد الدين ووصاياه الاجتماعيّة أنّ الأقربين أولى بالبرّ والإحسان.
ولمّا كان التوجيه مخصّصا للإطعام في يوم المجاعة، كان من الحكمة تحميل الأقربين مسؤوليّة إطعام اليتامى من ذوي قرباهم، توزيعا للمسؤولية، وتحديدا لها، وحتّى لا يضيع الأيتام في عموم المجتمع، وهم ضعفاء لا يستطيعون مع الكبار أخذ حظوظهم، التي يسدّون بها ضرورات معيشتهم.
* قول اللّه عزّ وجلّ: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) :
ثُمَ حرف عطف يدلّ على الترتيب مع التراخي، والترتيب والتراخي هنا يلاحظ فيهما تتبّع سائر العناصر غير المذكورة في النصّ، والّتي تشتمل عليها أحكام السّلوك الإسلاميّ المطلوب في اقتحام عقبة النفس، ويتنقّل المتتبّع فيها ضمن فروع شجرة الإسلام من فرع إلى فرع، حتى يصل إلى سوقها، ثم أخيرا إلى جذرها الّذي تتمدّد أجزاؤه وعناصره الإيمانية داخل عمق الفؤاد، في حركة فكريّة متتابعة الخطوات.
وهذا أحد الأساليب البيانيّة البديعة في القرآن، الّتي تعتمد البدء في البحث الفكريّ من الفروع الظاهرة، فأصولها، فأصول أصولها، ثمّ إلى الجذور، فعمق الجذور.
ومن أساليبه البيانيّة أيضا، البدء من عمق الجذور، فإلى الجذور، فإلى السّوق، ثمّ إلى فروع الفروع.
والترتيب مع التراخي في سلاسل الأفكار، يشبه الترتيب مع التراخي في الأجزاء الزمنيّة، وفي المراحل المكانيّة.