معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 214
مستهلكا لها، في إعداد القوى الّتي تجعلهم بين الناس أقوياء أعزّاء غلّابين لمنافسيهم، أو تجعلهم يتصوّرون ذلك ولو لم يكونوا في الحقيقة كما تصوّروا.
والواحد من هؤلاء حين يتملّكه الغرور بالقوّة الّتي تشعره بالتفوّق على منافسيه من الناس، يزيد انتفاخا وغرورا، فيزعم أنّه لا توجد قوّة غيبيّة عن عالم المشهود تقدر عليه لا في الحال، ولا في الاستقبال.
ومن هؤلاء فريق حسّيّون مادّيّون أغبياء، يتوهّمون أنّ ما لا يحسّون به في مدى إحساساتهم، لا وجود له، فأقوالهم وأعمالهم ونيّاتهم لا يطّلع عليها أحد من عالم الغيب، فلا محاسب لهم، ولا مجازي لهم، مهما طغوا وبغوا وظلموا وأجرموا وتجبّروا.
فالواحد من هؤلاء الحسّيّين الحمقى يغشّي الغرور على بصيرته وبصره، فيتوهّم أنّ أحدا من عالم الغيب لم يره، ولم ير طغيانه وظلمه، وفواحشه، وأنّه إذا استخفى ضمن مخابئه، ومارس في حجبها قبائحه ورذائله وفواحشه وشروره وخبائثه، فإنّ أحدا لم يره من عالم الغيب.
وتوهّمه هذا يجعله مطمئنّا آمنا من حساب، وفصل قضاء، وتنفيذ جزاء، فهو غير متابع بعقاب من قوّة قاهرة، هي قوّة العليم الحكيم القدير الرّبّ الخالق عزّ وجلّ.
هذا هو توهّم المادّيّين الحسّيّين الحمقى من أهل الغرور، الّذين لا يتفكّرون بدلائل ما خلق اللّه في أنفسهم، وفيما خلق اللّه من كلّ شيء من حولهم.
إنّ الّذي خلق له عينين يرى بهما، فأعطاه طرفا من كمال مشاهدة الأشياء، لا بدّ أن يكون بصيرا يراه، ويعلم ما تكنّ نفسه، وهو سبحانه قادر على أن يخلق ملائكة يراقبون الإنسان ويعلمون ما يفعل، يرونه من