معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 215
حيث لا يراهم، ويسجّلون عليه أقواله، وأعماله الظاهرة والباطنة، ونيّاته.
وإنّ الذي خلق له لسانا وشفتين للنّطق والتعبير عمّا في نفسه وفكره، برموز الكلمات، والمجادلة والدّفاع عن نفسه، ومحاسبة من هم تحت سلطانه، على أعمالهم ومخالفاتهم له، لا بدّ أن يكون هو سبحانه محاسبا لعباده على ما يكسبون في الحياة الدّنيا، إذ خلقهم جلّ جلاله فيها عابرين رحلة امتحان، وهو سبحانه قادر على أن يخلق مراقبين له، يعلمون ما يفعل، وهو لا يراهم، فإذا دعوا يوم الدّين للشهادة عليه بما اكتسب في الحياة الدّنيا، قدّموا شهاداتهم عن مشاهداتهم، فانضمّت شهاداتهم إلى أدلّة إدانته بجرائمه.
وجاء ذكر اللّسان عنوانا للحروف الّتي يكون للّسان تأثير ما فيها، وجاء ذكر الشفتين عنوانا للحروف الشفوية، وللحرف الّتي يكون للشفتين تأثير ما فيها، واكتفى النّصّ بذكر اللّسان والشفتين، ليستكمل الذهن سائر الحروف كحروف الحلق.
وإنّ الرّبّ الّذي خلق للإنسان جهاز التفكير والعلم والتذكّر وإدراك المعارف، وخلق له الوسائل الّتي يكتسب بها المعارف والعلوم، وبعث له الرّسل، وأنزل له الكتب والبيانات التي تبيّن له الغاية من خلقه في الحياة الدنيا، وتبيّن له مسئوليّته فيها، وما هو المطلوب منه أن يعمله، وما هو المطلوب منه أن يتركه أو يجتنبه، فهداه بذلك النّجدين: أي: الطريقين الواضحين الجليّين، طريق الحقّ والخير والنّفع والصّلاح. وطريق الباطل والشّرّ والضّرّ والفساد، لتكون أمامه فرصة أن يرى الحقّ حقّا فيؤمن به ويستمسك بأسبابه، ويرى الخير والنفع والصلاح فيعمل بما تهدي إليه. وأن يرى الباطل باطلا فيكفر به ويجتنبه، ويجتنب كلّ ما يوصل إليه، ويرى الشرّ والضّرّ والفساد، فيجتنبها ويجاهد لمقاومتها.