معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 216
كلّ ذلك ضمن حدود استطاعته فعلا أو تركا.
إنّ الرّبّ الذي خلق له ذلك لا بدّ أن يكون بحكمته قد خلقه ليمتحنه في ظروف الحياة الدنيا. وحكمة الامتحان تستتبع حتما الحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء، في خطّة العليم الحكيم القدير.
ولو لا هذه الغاية لكان أمر الخلق عبثا وباطلا، وقد تنزّه الرّبّ الخالق العظيم عن العبث والباطل.
ولمّا كانت ظروف الحياة الدنيا غير مشتملة على مرحلة الحساب وفصل القضاء وتنفيذ الجزاء، إلّا ما تقتضيه حكمة إقامة الدليل على الجزاء الأكبر يوم الدين، فإنّ منطق العقل المستند إلى حكمة الرّبّ العليم الحكيم القدير، يقضي بأنّه لا بدّ حتما من ظروف حياة أخرى، يتمّ بها الجزاء الأوفى، وهذه الحياة تكون بعد استكمال رحلة الحياة الدنيا، واستكمال ظروف الامتحان فيها.
وقد اقتضت الحكمة العظيمة، أن يكون الموت والفناء هو البرزخ الفاصل بين حياة الابتلاء، وحياة الحساب وفصل القضاء وتنفيذ الجزاء.
هذه العناصر الفكريّة قد دلّت عليها السّورة بعبارات موجزات، تستدعي لوازم فكريّة كثيرة، وهذه العبارات الموجزات هي بمثابة مفاتيح لأبواب وراءها جمّ غفير من المعاني الّتي توصل إليها سلاسل فكريّة مترابطة.
وحين يدرك المتدبّر لهذا البيان العجيب، ذي الدلالات الدقيقة العميقة، الذي اشتملت عليه سورة (البلد) تتولّد لديه قناعة تامّة بأنّ القرآن المجيد، حين يوجّه بيانه شطر أئمة الكفر، فينسف أوهامهم نسفا، ويقيم عليهم الحجّة الدامغة، فإنّه يقدّم الإقناع الضّمنيّ لأتباعهم الّذين ليس لهم مقالات تعرض لإسقاطها، ولبيان فسادها، إنّما يردّدون مقالات أئمّتهم، فإذا