فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 232
أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ: أي: جعلنا مسؤوليّته عن عمله وكسبه الإرادي ملازمة عنقه، كملازمة حبل الآسر لعنق الأسير، حتّى يتمّ حسابه وفصل القضاء بشأنه يوم الدّين.
فلفظ"طائر"مستعار للدّلالة على ما يكسبه الإنسان بإرادته في الحياة، وهذه الاستعارة البديعة قائمة على تشبيه ما يعمله الإنسان بإرادته بإطلاق الطائر من محبسه إلى الجوّ، وعندئذ تتعلّق به المسؤوليّة عن إطلاقه، وهذه المسؤولية آسرة له حتّى يتمّ حسابه وفصل القضاء بشأنه.
ولمّا كان العنق هو المكان المفضّل لربط الأسير حتّى لا يفلت من آسره، جاء التعبير به للدّلالة على مناط المسؤوليّة عن السلوك الإراديّ في الإنسان.
فِي عُنُقِهِ جاء استعمال حرف"في"للدّلالة على دخول حبل المسؤولية في داخل مناط المسئولية فيه.
وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا: هذا الكتاب هو صحيفة كسبه الّذي أطلق كلّ واحد منه بإرادته من حظيرته، فطار ولم يستطع أن يرجعه، ولكن ألزمه اللّه المسؤولية عنه، لأنّه قد كان في رحلة امتحان، وأمر الملكين الملازمين له بتسجيلها، لعرضها عليه يوم الدّين، فهو يلقى هذا الكتاب منشورا غير مطويّ.
وتكفي صحيفة يضمّ الإنسان عليها كفّه لتسجيل صورة تامّة عن كلّ حياته في رحلة امتحانه، ويعطى يومئذ القدرة على قراءة ما في صحيفته مهما كانت وسيلة تسجيلها مضغوطة، وبصره يومئذ يكون حديدا.
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) : أي: يقال له يوم القيامة هذا كتابك في يدك فاقرأ ه، وحاسب نفسك على ذنوبك ومعاصيك وجرائمك ومخالفاتك لأوامر ربّك ونواهيه.