فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 231
أعمى: أي: كافرا ضالا بكفره عن سبيل سعادته العاجلة والآجلة.
فالمعنى: ومن كان في هذه الحياة الدّنيا كافرا ضالا بكفره عن سبيل سعادته، باختياره الحرّ، فهو في الآخرة محكوم عليه بأنّه أعمى، أي:
كافر، وهو يومئذ أضلّ سبيلا، لأنّه لا يستطيع يومئذ أن يتدارك أمره، فقد انتهى زمن الامتحان، فلا حيلة له في أن يهتدي إلى سبيل سعادته في جنّات النعيم، بينما كان في الحياة الدّنيا قادرا على أن يتدارك أمره بالإيمان والعمل الصالح قبل أن تأتيه ساعة الموت، فهو في الآخرة أضلّ سبيلا، إذ لا يجد لنفسه طريقا يسلكه إلّا طريق جهنّم خالدا فيها، كما قال اللّه عزّ وجلّ في سورة (النساء/ 4 مصحف/ 92 نزول) :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169) .
*** النصّ الرابع:
ما جاء بشأنهم في سورة (الإسراء/ 17 مصحف/ 50 نزول) فقد جاء فيها قول اللّه عزّ وجلّ:
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) .
جاء في هذا النّص تشبيه ما يكسبه الإنسان بإرادته في الحياة الدّنيا بالطائر، فقبل أن يكسب كسبه ويعمل عمله الإراديّ يكون حبيسا في داخل نفسه، ويكون الإنسان مالكا له، وقادرا على ضبطه، وغير مسؤول عنه، فإذا عمل عمله وكسب كسبه الإراديّ الظّاهر أو الباطن، طار من محبسه، وأفلت من يده، وصار الإنسان عاجزا عن إرجاعه إلى حظيرته، ويكون عندئذ أسيرا له، إذ يجعل اللّه عزّ وجلّ ما يكسبه الإنسان بمثابة الآسر له بطوق أو حبل في عنقه، يسأل عنه يوم الدّين.