معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 172
هاتان الآيتان من التنزيل المدنيّ نزلتا بعد أن حقّق الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم المطلوب منه فيهما في المرحلة المكيّة الّتي نزلت فيها السّورة، وقد ضمّتا إليها.
فما السّرّ في هذا والخطاب فيهما موجّه للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم؟!
ونستطيع بالتأمّل أن نفهم أنّ خطاب الرّسول في هذا هو خطاب لكلّ الدّعاة إلى دين اللّه من أمّته، فإذا كانوا في مرحلة من مراحل دعوتهم للنّاس مماثلة للمرحلة التي نزلت فيها سورة (المزّمّل) فالمطلوب منهم أن يصبروا على ما يقول فيهم رافضو دعوتهم، وأن يهجروهم هجرا جميلا، وأن يتركوا لربهم المعرضين عنهم من كبراء قومهم المترفين أولي النّعمة، وأن يمهلوهم.
ولمّا كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في مرحلة نزول سورة (المزّمل) محقّقا في نفسه وفي سلوكه المطلوب في هذا النجم القرآني، لم يكن بحاجة إلى تنزيله عليه يومئذ.
بيد أنّ المنهج للدّعاة من بعده لا بدّ أن يكون مستوفيا كلّ عناصره، فاقتضت الحكمة الرّبّانيّة العجيبة تأخير التنزيل إلى المرحلة المدنيّة، ووضع النّصّ المنزّل في مكانه الملائم له، فتحقّق بهذا الإجراء غرضان تربويّان أو أكثر.
أي: إنّ هذه المرحلة من مراحل الدعوة تتطلّب تحقيق مضمون هذا المنهج، لكنّ الرّسول قد حقّقه دون أن يطلب منه، فلم يكن هو في هذه المرحلة بحاجة إلى إنزاله عليه، ولو أنه لم يكن قد حقّقه لنزل هذا الخطاب بشأنه إبّان نزول سورة (المزّمل) أمّا الدّعاة إلى دين اللّه من بعده فهم بحاجة إليه، وخطاب الرسول هو خطاب لأمّته ما لم يكن الأمر من خصائصه الشخصيّة.
فاعجب لهذا الأسلوب البيانيّ التربويّ البديع، وتفهّم دلالته الحكيمة.
* وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ: