فهرس الكتاب

الصفحة 1642 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 285

انتقاميّة، توقعهم في ورطات يكونون فيها من الفاشلين، أو الخائبين، وإلزامهم بالصّبر، انتظارا لما يقضيه اللّه من أمر، فالوقت إبّان نزول السّورة لا يصحّ فيه القيام بمواجهات انتقاميّة، إذ المسلمون يومئذ لا يملكون من سنن الأسباب القدرات الكافيات لمواجهة قوى مشركي مكة، وخوض المسلمين حينئذ معارك قتالية معهم عمليّة انتحاريّة لم يأذن اللّه بها.

كلمة رُوَيْدًا هي مصغّر"إرواد"مصدر فعل"أرود يرود إروادا"وهو بمعنى"أمهل".

فكلمة رُوَيْدًا بمعنى"أمهل"وهي مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: أرود رويدا، أي: أمهل إمهالا.

تقول: رويدا بكرا، أي: أمهل بكرا إمهالا. صغّروا المصدر بعد حذف زوائده، وأقاموه مقام فعله.

بهذه الآية تنتهي السورة:

فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17) .

فما أعجب هذا الإلزام بالصّبر على الكافرين، وإنظارهم والترفّق بهم، وعدم اتّخاذ وسائل عنف وشدّة وانتقام معهم، على الرّغم من شدّة أذاهم ومعاداتهم للرسول ودعوته، واضطهادهم لضعفاء المؤمنين.

إنّ حكمة اللّه عزّ وجلّ قضت بأن لا تكون عمدة الأمّة الإسلاميّة على الخوارق والمعجزات، وإنّما شاءت حكمته أن تكون عمدتهم على الأسباب الكونيّة الخاضعة لسنن اللّه الدّائمة، المصحوبة بالمعونات المحدودات التي يجعلها اللّه للمؤمنين بمقتضى هذه السّنن، وأعطى اللّه عزّ وجلّ الّذين آمنوا الوعد بأن يمدّهم بها.

وقد تمّ تدبّر السّورة بما فتح اللّه به، وبما أمدّ من معونة وتوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت