معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 174
إذا نطق السّفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السّكوت
ومهما يكن الكلب كثير النّباح، فإنّه إذا لم يجد من خصمه ردّا ملّ وسكت عن الإلحاح، ولا سيما إذا هجره خصمه وابتعد عنه وعن مباءته.
والهجر الجميل هو الهجر الذّي لم يقترن بغضب ولا مخاصمة ولا عتاب، فهو هجر الراغب في العودة إلى المهجورين، الحريص على خيرهم ونجاتهم وسعادتهم، ودخولهم في عباد اللّه الصالحين.
ومقتضيات التربية الحكيمة والدعوة إلى اللّه برفق توجب على الداعي أن يكون خفيف الظّلّ، غير ثقيل على من يدعوهم، وإن واجهوه بما يكره من قول أو أذى، وهجره لهم هجرا جميلا مقرونا بالإغضاء عنهم وعدم مقابلتهم على أقوالهم الجارحة بمثلها، أو بغضب وانفعال وحدّة، من شأنه أن يهدم ما في نفوسهم ضدّه، ويليّن من قسوتهم نحوه شيئا فشيئا، وربما اجتذب من صفوفهم من في قلوبهم بذور خير وإنصاف وحقّ وتأثّر بالفضيلة وكمال الخلق، فالهجر الجميل يكون بالتواريّ بصورة مؤقّتة، وبعدم مقابلة السيئة بمثلها، وربّما يقترن به تكريم وإحسان عن بعد.
* وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ:
سبق نظير هذا التعبير التّهديديّ في سورة (المدّثر) بشأن الوليد بن المغيرة، وشرح ما يتعلّق به.
أي: ودعني والمكذّبين المترفين أهل التّنعّم في الدّنيا، بما آتيتهم من سعة في الرّزق والصحّة، فأبطرتهم النّعمة الّتي سيقت إليهم لامتحانهم بها.
النّعمة: بفتح النّون هي التّرفّه وزيادة الاستمتاع بزينة الحياة الدنيا ووسائلها. والنّعمة: بكسر النون، ما أنعم به عليك من عطاء تحبّه، أو خدمة ترضيك.