فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 329
والبعث الذي يحصل فيه هذا العذاب إلّا فاصل البرزخ، وهذا الفاصل بالنسبة إلى إحساس نفوس الموتى قليل جدّا، إنّهم حين يبعثون يقدّرون أنّهم لم يلبثوا بين الموت والبعث إلّا عشيّة أو ضحاها، أي: كنومة في الضّحى، أو نومة في العشيّ، والحقّ أنّ العبرة بإحساس النفوس لا بطول الزّمن خارج إحساسها.
النصّ الخامس: قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (النبأ/ 78 مصحف/ 80 نزول) خطابا للكافرين.
إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا (40) .
فأبانت هذه الآية أنّ العذاب الذي يوجّه اللّه عزّ وجل الإنذار به للكافرين سيكون قريبا بالنّسبة إلى إحساساتهم، لأنّهم لا يشعرون بعد موتهم إلّا بسرعة ملاقاتهم له يوم الدين، غير الّذي يلاقونه من عذاب نفسيّ في مدّة البرزخ الّتي لا يشعرون بمرور الزّمن فيها.
يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ، أي: ينظر بعينيه ما كسب في الحياة الدّنيا من كسب إراديّ، يعرض عليه فيه شريط كامل بالصّورة والصّوت والنّيّات وحركات النفس كلّها.
وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا، أي: ويقول الكافر متمنّيا أن يكون مثل البهائم الّتي يقول اللّه عزّ وجلّ لها: كوني ترابا، فتكون بعد أن يقتصّ للمظلومات منها من ظالماتها في الحياة الدّنيا.
النصّ السادس: قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (الأحزاب/ 33 مصحف/ 90 نزولا) خطابا لرسوله: يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (63) .
يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ، أي: يسألك الناس عن وقت وقوعها.