معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 335
تغشي أبصارهم وبصائرهم، أو تعميها فهم لا يرون آيات اللّه.
وإن يروها على سبيل النّدرة، وذلك حين تكون حسّيّة وظاهرة للجميع، فلا ينكرها إلّا أعمى أصمّ، فإنّهم يعرضون عنها، فيعطونها عارضهم، وهو جانبهم، ولا يواجهونها، ثمّ يوجّهون النّاس للتّشكيك فيها، فيصفونها بما يخرجها عن كونها آية حقيقيّة، تحمل دليلا برهانيّا على صدق الرّسول في رسالته، وفيما جاء به عن ربّه، كأن يصفوها بأنّها عمل من أعمال السّحر، أو أثر من آثاره.
ففي شأن أئمة الكفر من مشركي قريش، الّذين لم يستفيدوا من معجزة انشقاق القمر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ولا يستفيدون من أيّة آية يرونها، لأنّهم كافرون عن تصميم إراديّ، على الرّغم من أنّهم مستيقنون داخليا من صدقه، وصدق ما جاءهم به عن ربّه، إذ نفوسهم وأهواؤهم وشهواتهم نافرة، أنزل اللّه عزّ وجلّ هذه الآية.
فالمعنى: لقد رأوا آية انشقاق القمر، فأعرضوا وقالوا: سحركم محمد، كما جاء في بعض الرّوايات التي سبق ذكرها.
وإن يروا مستقبلا على سبيل النّدرة آية ما، مع التّشكيك في أن يوجّهوا أنظارهم وعقولهم لها، يعرضوا عنها، ويقولوا مثل ما قالوا في آية انشقاق القمر، سحركم محمّد.
وبالتأمّل نلاحظ أنّ بين الآية الأولى: والآية الثانية. كلاما مطويّا مقدّرا، يمكن استنباطه باللّوازم الذّهنيّة، وتقديره كما يلي:
اقتربت السّاعة وانشقّ القمر، فأعرض أئمّة الكفر والشّرك في مكّة عن آية انشقاق القمر، وقالوا: هذا سحر، وهو ديدنهم مع كلّ آية سيرونها، إن سمحوا لأنفسهم بأن يروها، أو غلبتهم الآية باعتبارها حسّيّة أو عقليّة قاهرة، وإن شأنهم أن يعرضوا غير مبالين بدلالات آيات اللّه المقنعات من لديهم استعداد لقبول الحقّ واتباعه.