معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 352
كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ: النّصب: حجارة كان المشركون يذبحون ذبائحهم عليها، وكل ما عبد من دون اللّه من أصنام، قيل هو مفرد، وقيل:
هو جمع.
* يوفضون: يسرعون. والمعنى: كأنّهم يسرعون إلى معبودات مختلفات من الأصنام، في أماكن شتى، فكلّ فريق يسعى مسرعا إلى جهة هائما، لا يدري إلى أين يسعى من فرط الدهشة والخوف.
وهذا يكون سابقا لدعوة الدّاعي إلى شيء نكر، لأنّهم إذا صاح بهم الدّاعي صيحة واحدة كانوا جميعا عند ربّهم محضرين.
خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ: أي: منكسرة ينظرون بأعينهم إلى الأرض من ذلّتهم، وأجفانهم منخفضة.
تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ: أي: تغشاهم وتعلو حواسّهم ذلّة.
فدلّت هذه النّصوص بما تضمّنته من مفهومات، على أنّ دعوة الدّاعي إلى شيء نكر تكون بعد البعث وإسراع المبعوثين إلى جهات مختلفات من دهشتهم وحيرتهم في أرض القيامة.
*** قول اللّه تعالى: خُشَّعًا أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (7) .
خُشَّعًا: جمع"خاشع"وهو من يرمي ببصره نحو الأرض، ويغضّ طرفه. ويقال: خشع بصر الرّجل، يخشع خشوعا، أي: انكسر.
وسبق توجيه قراءة [خاشعا] .
والمعنى: ضع في ذاكرتك أيّها المتلقّي يوم يدع الداعي مدعوّين من المبعوثين خشّعا أبصارهم، يخرجون من الأجداث كأنّهم جراد منتشر، وليس هكذا يكون كلّ المبعوثين، بل يكون للخائفين من المصير التعيس.