معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 372
القضيّة التاسعة: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (16) ؟:
أي: فعلى أيّة حال كان عذابي لكفّار قوم نوح؟. وعلى أيّة حال كانت نذري لقوم نوح؟
نذري: أي: إنذاراتي الّتي بلّغهم إياها رسولي نوح. الإنذار: الإعلام والإخبار بعواقب غير سارّة.
في هذه الجملة سؤال ينتزع الجواب انتزاعا من كلّ ذي فكر عاديّ يفهم المسائل السّهلة، دون حاجة إلى رويّة وتأمّل فيقول:
* لقد كان العذاب عذابا شديدا مخيفا، يثير الرّهب والاتّعاظ والادّكار.
* ولقد كانت النّذر الّتي أنذر اللّه بها قوم نوح على لسان رسولهم نذرا صادقة، حقّق الواقع الثابت في التاريخ ما جاء فيها بلا نقصان، وظلّت آيته باقية حقبا كثيرة وشهدتها أجيال فأجيال من الناس.
فما أبدع هذا الإيجاز وما أحكه؟!! وما أغزره دلالات وأوفاه بالمقصود من البيان في المرحلة الّتي نزلت فيها سورة القمر؟!!
* قول اللّه عزّ وجل: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) ؟
التّيسير: التسهيل والتخفيف.
للذّكر: أي: للحفظ والتذكّر، عند كلّ مناسبة داعية لتذكّر ما يلائم المناسبة من آيات القرآن.
وقد جعل اللّه عزّ وجلّ هذه الآية فاصلا يتكرّر بفنّية بيانيّة أدبيّة، دالّا بهذا الصّنيع على أنّ توزيع لقطات مختلفات من قصص المهلكين الأوّلين على نجوم التنزيل، وبمناسبات مختلفات، له حكم متعدّدة منها تيسير القرآن للحفظ والذّكر، بالنسبة إلى من يهمّهم أن يحفظوه، ويرتّلوه، ويتذكّروه.