معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 371
منها إلى أرض جافّة صالحة، ونزول من كانوا معه، وإنزالهم الحيوانات الّتي كانت في السفينة لتجد أرزاقها في نباتات الأرض، وليبدؤوا حياة استقرار على اليابسة.
هذا المطويّ المدلول عليه بالكناية في هذه السورة، قد جاء التصريح به في سورة (العنكبوت/ 29 مصحف/ 85 نزول) بقول اللّه عزّ وجلّ فيها:
فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (15) .
القضيّة الثامنة: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجل: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟: يدلّ هذا التّساؤل البديع على الغرض الدينيّ من ترك سفينة نوح عليه السّلام آية باقية أزمانا طويلة، شهدتها فيها أجيال متتابعة من بعده. وهو أن تكون للادّكار، أي: للتذكّر الآخذ بيد المتذكّر للاتعاظ، إذا كان لديه استعداد للاتّعاظ الإراديّ ورغبة فيه. مع ما في هذا التّساؤل من حضّ على الادّكار والاعتبار بما جرى لقوم نوح عليه السّلام، وقد جاء هذا الحضّ بأسلوب الاستفهام. ومع ما فيه أيضا من إشعار بقلّة المدّكّرين، لأنّ السّؤال يسأل عن واحد مدّكر يعتبر بما جرى للأوّلين من عقاب ربّانيّ.
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟"هل"حرف استفهام يستفهم به عن التصديق الإيجابي (أي: عن وقوع النّسبة بين المسند والمسند إليه) ."من"حرف جرّ زائد جيء به للتّنصيص على الاستغراق الشامل لكلّ أفراد العام"مدّكر"مبتدأ مجرور لفظا مرفوع محلا، والخبر محذوف مقدّر ذهنا، أي: فهل من مدّكر موجود؟
لفظ"مدّكر"أصله"مذتكر"من فعل"اذتكر"على وزن افتعل، وقلبت التاء دالا إذ جاء قبلها ذال، وهذا قياس مطرد، ثمّ قلبت الذال دالا وأدغمت بالدّال بعدها، فصار الفعل"ادّكر"واسم الفاعل منه"مدّكر".
وأصل فعل"اذتكر"ذكر، أضيفت إليه تاء"افتعل".