معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 370
القضيّة السّادسة: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (14) في هذه العبارة إضافة بيان يدلّ على الغاية الجزائيّة من هذا الاهتمام الشديد بحفظ سفينة نوح عليه السّلام كل هذا الحفظ، إنّها مكافأته بثواب معجّل له ولمن معه في الحياة الدّنيا، جزاء كونه جاهد في اللّه حقّ جهاده في دعوته إلى اللّه، فكفر من قبل قومه.
كفر: أي: جحد وكذّب.
لم يأت في هذه العبارة: جزاء لنوح، وإنما جاء فيها: جزاء لمن كان كفر، لبيان أنّ الجزاء لوحظ فيه كونه كفر، أي: أمّا صالحاته الأخرى ومجاهداته من أجل ربّه فجزاءها فوق ذلك يوم الجزاء الأكبر، وقد تكون عبارة لِمَنْ كانَ كُفِرَ تعمّ من ركب معه في السّفينة، وهم الّذين آمنوا به، فقد كانوا دعاة إلى اللّه معه، وكفروا من قبل قومه أيضا، وتعرّضوا للزّجر والتهديد بالرّجم أيضا.
القضيّة السّابعة: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً: أي: ولقد تركنا فلك نوح آية، باقية زمنا طويلا من بعده، لتكون علامة على حادثة الطوفان، ومذكّرة بقصّة نوح عليه السّلام وقومه، وشاهدا على عقاب اللّه عزّ وجلّ للمكذّبين الظالمين الطّغاة، وعبرة لمن يعتبر، وذكرى لمن يدّكر.
جاء في صحيح البخاري، قال قتادة: بقيت بقايا السفينة على الجوديّ، حتّى نظرتها أوائل هذه الأمّة.
وقد رأى هذه الآية من رآها، وسمع بها من سمع، وظلّت الأمم تتوارث خبر طوفان نوح عليه السّلام.
وهذه العبارة: وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً مع دلالتها على ما تقدّم شرحه فهي أيضا كناية عن وصولها إلى مستقرّ ملائم، ونزول نوح عليه السّلام