فهرس الكتاب

الصفحة 1725 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 369

ولم يأت التّعبير عن هذه المركبة البحريّة في هذا النّصّ باسم السفينة، أو الفلك، وإنّما جاءت الكناية عنها بذكر الأشياء الأساسيّة التي صنعت منها، وهي الألواح الخشبيّة الّتي أعدّها نوح النجّار الماهر بنفسه، متّبعا إرشادات الوحي الرّبّاني له، والدّسر.

الدّسر: هي المسامير التي تثبّت بها الألواح بعضها ببعض، وهي أيضا الخيوط والحبال اللّيفيّة الّتي تشدّ بها الألواح بعضها إلى بعض.

وقد يصاحب ذلك غمس الألواح والدّسر بما يمنع تسرّب الماء إلى داخل السفينة، ولا ينتحلّ بالماء كالزّفت ونحوه.

ومن الإلماح البلاغيّ البديع الكناية عن الشيء بذكر بعض الموادّ التي يتألّف منها، فهذه الكناية وأمثالها ممّا يرضي ويمتع ذكاء أصحاب الذوق الأدبيّ الرّفيع.

القضيّة الخامسة: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: تَجْرِي بِأَعْيُنِنا ...: أي: وهذه المركبة التي حملناه ومن معه عليها، ذات الألواح والدّسر، من صفاتها السّببيّة أنّها تجري على الماء، ومن صفاتها المحاطة بعنايتنا- على الرّغم من كونها عملا بدائيّا في صناعة الفلك يحملها بحر من الماء عظيم متلاطم الأمواج- أنّها تجري بأعيننا، أي: تجّري محفوفة بأكمل الحفظ والرّعاية والحماية من أيّ شيء يضرّها أو يؤذيها، أو يعرّض راكبيها لأيّ خطر أو ضرر.

إنّ العين فيما يعلم الناس أرق وألطف حاسّة تحفظ من أقلّ الأقذاء وأصغرها، وهي أكمل حاسّة للمراقبة تحيط إحاطة شاملة بما تراقبه لحفظه، فإذا كانت مركبة نوح عليه السّلام تجري بأعين اللّه الرّبّ القدير على ما يشاء، فذلك يدلّ على أنّها في غاية الحفظ والرعاية والحماية والمراقبة التّامّة لكلّ حركة من حراكاتها على توالي اللّحظات، وأصغر الأجزاء الزمنيّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت