فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 387
وإذ أنكر كبراء كفّار ثمود أن يكون صالح عليه السّلام نبيّا رسولا مختارا من اللّه، قامت في أذهانهم احتمالات أخرى، تبعد عنه أن يكون كذّابا، لكنّهم رفضوا هذه الاحتمالات حتّى لا تخفّ عداوته والحنق عليه في نفوس أتباعهم، فقالوا: لا عذر له بل هو كذّاب مستكبر يريد العلوّ في الأرض، ومنازعة الكبراء مكاناتهم، وهذا ما دلّت عليهم مقالتهم الرابعة.
المقالة الرابعة: دلّت عليها عبارة: بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ.
طوى النّصّ ما قام في أذهان كبراء كفّار ثمود، من احتمال أن يكون معذورا في ادّعاء أنّه نبيّ رسول، كأن يكون قد تهيّأ له ذلك، أو أثّرت عليه الجنّ، أو أثّرت عليه أعمال سحريّة، لكنّهم رفضوا التصريح بها، ورفضوها جملة وتفصيلا بدلالة حرف"بل".
أي: لا عذر له فيما ادّعاه بل هو كذّاب أشر.
كَذَّابٌ: صيغة مبالغة لاسم الفاعل"كاذب"إنّهم لم يكتفوا بأن يقولوا هو كاذب، بل اتّهموه بأشنع دركات الكذب، مع أنّهم ما عرفوه في حياته معهم قبل النبوّة إلّا صادقا أمينا.
أَشِرٌ: أي: مستكبر بطر، يقال لغة: أشر فلان أشرا فهو أشر، أي: بطر واستكبر، ومرادهم اتّهامه بأنّ ادّعاءه أنّه رسول اللّه نابع من كبره في نفسه، ورغبته في أن تكون له السّيادة في قومه، وأن تكون له القيادة والرّياسة والسّلطان والأمر والنّهي، فلا هو صادق في قوله: إنّه رسول اللّه، ولا هو معذور بادّعائه، على احتمال أن تكون قد جرت له أمور ورؤى أوهمته أنّه نبيّ ورسول، كالّذي يأتيه رئيّ من الجنّ، فيخبره بأشياء، يزعم له فيها أنّها من أمور الغيب، بل هو كذّاب أشر.
لكنّهم في الحقيقة هم الكذّابون الأشرون، كذّابون في إيهامهم وتزويرهم على جماهيرهم، بأنّه ليس رسولا من عند ربّهم، مع اقتناعهم في أعماق نفوسهم وقلوبهم بأنّه رسول صادق وليس بكاذب.