معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 418
وأبان اللّه عزّ وجل بقوله: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ أنهم سيكونون جمعا ولا يكونون جميعا، لأنهم عندئذ لا يكونون على رأي واحد، ولا على هدف واحد، ولا على قلب واحد، فالجمع يطلق على أي عدد مجتمع، ولو كانت أفراده متنافرة، وليس بينهم جامعة تربطهم بقوة.
يقال لغة: هزم العدوّ، أي: كسرت شوكته وغلب.
وإذا صحّ أنّ هاتين الآيتين (44 - 45) من التنزيل المدني، فإنّ ضمّهما إلى سورة (القمر) يشعر بأنّ كبراء مشركي مكّة جعلوا يردّدون قولهم: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ قبيل نزول هذه السّورة، وأخّر اللّه عزّ وجلّ إنزال البيان حولها، وبشارة الرّسول والمؤمنين بالنصر إلى العهد المدني، أخذا بحكمة كتمان التدبيرات الحربيّة، إذ إنّ سماع المشركين في العهد المكيّ قول اللّه عزّ وجلّ: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) قد يشعرهم بأنّ خطّة الرّسول تعتمد على تدبير أمور حربيّة مستقبليّة، ويجري الإعداد لها سرّا، فيعملون على مبادرتهم بحرب الرسول والمؤمنين، قبل أن يعدّوا لحربهم ما يلزم من إعدادات.
ويظهر أنّ نزولهما في العهد المدني قد كان قبل غزوة بدر الكبرى فقد صحّ أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم خرج من العريش يوم بدر، وهو يثيب في الدّرع ويقول:
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (46) .
وأمّا ما روي عن مقاتل من أنّ الآية (46) من التنزيل المدني أيضا مع الآيتين (44 و 45) فمعارض بما صحّ عن عائشة أمّ المؤمنين رضي اللّه عنها.
* روى البخاريّ بسنده عن يوسف بن ماهك، قال:"إنّي عند عائشة أمّ المؤمنين- رضي اللّه عنها- إذ جاءها عراقيّ فقال: أيّ الكفن خير؟"
قالت: ويحك، وما يضرّك؟.