معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 419
قال: يا أمّ المؤمنين أرني مصحفك.
قالت: لم؟
قال: لعلّي أؤلّف القرآن عليه، فإنّه يقرأ غير مؤلّف.
قالت: وما يضرّك أيّه قرأ ت قبل، إنّما أنزل أوّل ما أنزل منه سور من المفصّل، فيها ذكر الجنّة والنّار، حتّى إذا ثاب النّاس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أوّل شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزّنا أبدا، لقد نزل بمكّة على محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، وإنّي لجارية ألعب: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (46) وما أنزلت سورة (البقرة) و (النّساء) إلّا وأنا عنده.
قال: فأخرجت له المصحف، فأملت عليه آي السّور"."
فدلّ هذا الحديث على أنّ هذه الآية من التنزيل المكيّ.
* وقد روى أهل السّير والمغازي، أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يوم بدر، اشتدّ في دعائه لربّه في العريش الّذي نصب له، وجعل يناشد ربّه ما وعده من النّصر، ويقول فيما يقول:
"اللّهمّ إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، اللّهمّ إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا".
وبالغ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم في الابتهال، ومدّ يديه إلى السّماء، حتّى سقط رداؤه عن منكبيه، وأبو بكر يقول: يا نبيّ اللّه، بعض منا شدتك ربّك،