فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 427
ومادّة هذه الكلمة في اللّغة تدور حول معنيين:
المعنى الأول: البعد، ومعلوم أنّ جهنّم عميقة جدا، بعيدة الغور.
المعنى الثاني: شدّة الحرارة، وكذلك حال جهنّم.
يقال لغة: سقر الشيء يسقر سقرا، أي: بعد.
ويقال: سقرت النّار أو الشّمس فلانا، أي: لوّحت جلده، وغيّرت لونه، وآذته وآلمته بحرّها.
فاشتقّت كلمة"سقر"علما على جهنّم من هذه المادّة اللّغوية.
وبسحب وجوه المجرمين على أرض صلبة حارّة من أرض جهنّم يحدث تماسّ يكوي وجوههم بالحرارة، فيذوقون لذعها ذا الإيلام الشديد.
وقد استعمل الذّوق في القرآن المجيد لكلّ ما يحسّ به ذوو الأحساس من آلام ولذّات ظاهرات وباطنات.
وأصل الذّوق في اللّغة يعبّر به عن ذوق طعوم المآكل والمشارب، ثمّ عمّم على الإحساس بما يلذّ ويمتع من كلّ شيء، والإحساس بما يؤلم أو تنفر منه النفوس من كلّ شيء، حتّى الموت، فقد قال اللّه عزّ وجلّ بشأنه في سورة (العنكبوت/ 29 مصحف/ 85 نزول) :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (57) .
هذه الآية قد قدّمت لقطة من صور عذاب المجرمين يوم الدين في سقر. وصلتها واضحة بدروس السّورة، إذ بدأت بالحديث عن المجرمين الذين كذّبوا بالنّذر التّي أنذر بها رسول اللّه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، ثم ضربت أمثلة من المجرمين السّابقين من أهل القرون الأولى، وكيف أنزل اللّه عزّ وجل بهم عقابه المعجل في الحياة الدنيا، فلا بدّ من عرض صور من عذابهم يوم الدّين ليتكامل الموضوع تكاملا ملائما للإقناع والموعظة الحسنة.