فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 428
* قول اللّه تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (49) :
يتحدّث اللّه عزّ وجل في هذه الآية بضمير المتكلّم العظيم، لأنّ أعمال الخلق المقدّر بغاية التقدير الحكيم، لا يعملها إلّا الرّبّ الخالق العظيم الجليل، الذي وسع كلّ شيء علما، وهو على ما يشاء قدير.
أي: إنّا بكمال وعظمة صفات الرّبوبيّة قد خلقنا كلّ شيء بقدر، أي:
بتحديد تمّ فيه تقدير كلّ صغير وكبير من ذات وصفات، ومكان وجود وزمانه، وكلّ ما يخضع لتقدير أجزائه.
إنّ التكوين لا بدّ أن يكون مسبوقا بعلم شامل، وتقدير كامل، لكلّ جزء من الأجزاء التي تحتاج تحديدا، وبعده يتمّ القضاء، وهو بمثابة القرار بالتكوين، ثمّ يكون الخلق في المكان والزّمان المحدّدين، بأمر التكوين الرّبّاني:"كن"فهو"يكون"على وقف المقادير التي قضاها اللّه عزّ وجلّ.
والقضيّة الّتي أبانتها هذه الآية لها صلة بكلّ ما جاء في السّورة مما يحتاج إلى تقدير حكيم، من الرّبّ العليم الحكيم القدير، حتّى عدد قطرات الماء التي نزلت من السماء أو نبعت من الأرض في طوفان نوح، وحتّى عدد الحجارة الّتي أمطرها اللّه على قوم لوط، وحتّى كلّ جزئيّة من جزئيّات الريح الّتي أهلك اللّه بها عادا، وحتّى مقدار قوة الصيحة التي أهلك اللّه بها ثمود قوم الرسول صالح عليه السّلام.
وقد يخطر في بعض أذهان المتلقّين سؤال حول سحب المجرمين يوم الدّين في النار على وجوههم، واضعين في تصوّرهم نظام الحياة الدّنيا، ونظام مقاديرها، فجاءت الإشارة بقول اللّه عزّ وجلّ: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (49) إلى أنّ مقادير نظام يوم الدين، مختلفة عن مقادير نظام الحياة الدنيا، فلا يقاس ما في الآخرة على ما في الدنيا بالنّسبة إلى تحديد المقادير.