فهرس الكتاب

الصفحة 1853 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 498

بعد بيان الموقف الحركيّ الماديّ لأئمة الشّرك والكفر في مكّة، والموقف الفكريّ، في الطّور الّذي وصلوا إليه إبّان نزول هذه السّورة، كان من الحكمة متابعة معالجتهم بالإقناع وبالترهيب. وكان من الحكمة معالجة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم والذين آمنوا به واتّبعوه، بأنّهم سيواجهون مضطّهديهم، ومهدّديهم بالحرب، في معارك قتاليّة، وسيكونون هم المنتصرين عليهم، وسيكون هؤلاء الذين هم الآن في عزة وشقاق هم المهزومين والمغلوبين.

* قول اللّه تعالى: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي أي: بل هم في شكّ من القرآن الّذي أنزله على محمد، والّذي هو بياني الذي يجب عليهم أن يذكروه آنا فآنا، ليحيوا في ذاكرتهم مطلوباتي منهم في رحلة امتحاني لهم.

يشعر حرف بَلْ بمحذوف مطويّ في الكلام بين قوله تعالى حكاية لمقولتهم: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا؟!!

وبين قوله تعالى في العلاج: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي فما هو هذا المحذوف المطويّ؟

جاء في صدر السّورة القسم بالقرآن ذي الذّكر على أنّ الرّسول محمدا صادق فيما يبلّغ عن ربّه، وفي هذا القسم توجيه لتدبّر القرآن نفسه، دون النظر إلى مبلّغه، فهو بيان عظيم يجب أن يدرس ويفهم بحدّ ذاته، دون النظر إلى النبيّ المختار لإنزاله عليه، بسبب ما فيه من سموّ وكمال وبيان معّجز لا يستطيع أن يأتي به ولا بمثله بشر، وهذا كاف لأن يؤسّس الاقتناع في الأفكار والقلوب الواعية، بأنّه ليس كلام بشر، وإنّما هو تنزيل من لدن عزيز حكيم، ربّ السّماوات والأرض، وربّ كلّ شيء.

فلو أنّ الناس وجدوه في صندوق، أو في حفيرة، أو في جبّ، أو في صحراء، أو في مغازة، أو على جبل لكان عليهم بعد قراءته، وتدبّر ما جاء فيه أن يؤمنوا بأنّه منزّل من عند اللّه بوسيلة ما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت