فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 500
به، ثمّ يحكم، وليس من العقل والفهم الصحيح في شيء، أن يرفض الصّندوق ابتداءا، وأمارات كونه كنزا عظيما بادية عليه، لمجرّد أنّه لم يعجبه حامل الصندوق، ومقدّمه إليه، أو جاء هذا الحامل للصندوق على خلاف ما يحبّ ويهوى، كأن كان يهوى أن يكون حامل الصندوق ملكا، أو أميرا، أو زعيما، أو كبيرا من كبراء قومه.
هذه المعاني المطويّة أغنى عن التصريح بها، القسم بالقرآن ذي الذكر في صدر السورة، وقول اللّه عزّ وجلّ في الآية (8) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي ....
* قول اللّه تعالى: بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ.
وقرأ يعقوب [عذابي] بإثبات ياء المتكلّم في الوصل والوقف.
كلمة بَلْ في هذه الجملة تشير أيضا إلى كلام مطويّ غير مذكور في اللفظ، وبالتفكّر والتّدبّر نستطيع أن ندرك معاني هذا المحذوف.
أي: وإنّ ما في ذكري وهو القرآن الذي يبلّغه رسولي محمّد، من إنذار لهم بعذابي، إذا لم يؤمنوا ولم يسلموا ولم يكفّوا عن مقاومة رسولي ودعوته، واضطهاد الذين آمنوا به واتّبعوه، كاف لإثارة مخاوفهم، فإيقاظهم من غفلاتهم، وما هم فيه من ملهيات الحياة الدّنيا، فهزّ نفوسهم، ونفض ما تراكم عليها من غاشيات، وتوجيههم لاستبصار الحقّ الذي يشتمل عليه ذكري.
لكنّهم في حالة هم معها أعند وأقسى وأشدّ من أن يكفيهم الإنذار الكلاميّ، المؤيّد بالشواهد الفكريّة والأدلّة التاريخيّة من أحداث الماضي.
بل هم بحاجة إلى أكثر من ذلك، حتّى يستيقظوا، وهذا الأكثر هو أن يذوقوا بعض عذابي، وهو الأمر الّذي تقضي الحكمة التربويّة بإذاقتهم إيّاه بعد زمن قريب، فهم على مقربة من أن يذوقوا عذابي.