فهرس الكتاب

الصفحة 1858 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 503

لقد كان عليهم أن يعرفوا حدود أنفسهم، فلا يعترضوا على اصطفاءات الرّبّ، لكنّهم لم يفعلوا.

بل كان منهم اعتراض يشبه اعتراض من له ملك السّماوات والأرض وما بينهما.

وإن بلغ بهم الغرور إلى زعم أنّ لهم ملك السّماوات والأرض، إذ وجدوا أنّ الأسباب الّتي توصّلوا إليها باكتشافاتهم، ممّا سخّر اللّه للنّاس في كونه، تمكّنهم من اجتياز الفيافي والقفار، وعبور البحار، والصّعود إلى ما فوق السّحب، والوصول إلى بعض الأفلاك والأقمار فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ أي: فليستخدموا الأسباب المسخّرة لهم، على طريقة الارتقاء من سبب إلى سبب آخر فوقه، ثم إلى سبب آخر فوقهما، وهكذا تسلسلا مع الأسباب ضمن سلّم الأسباب الّتي جعلها اللّه لهم مسخّرات في كونه، فهل يستطيعون بعد رحلة الارتقاء في سلّم الأسباب حتّى آخر الدّهر المقضيّ لحياة الناس، أن يثبتوا أنّ لهم ملك السّماوات والأرض وما بينهما، دون أن يكونوا خاضعين لسلطان ربّهم وربّ السّماوات والأرض وما بينهما ومالك كلّ شيء ومليكه، ودون أن يكونوا خاضعين لسلطان قوانينه في عوالم الموجودات؟؟.

السبب عند أهل اللّغة: كلّ شيء يتوصّل به إلى مطلوب ما كائنا ما كان.

وتدلّنا عبارة: فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ على قاعدة كونيّة تعتمد عليها المبتكرات والمخترعات الصناعيّة، وهي أنّ للأسباب في الكون سلّما ارتقائيّا، وأنّ كلّ درجة سببيّة هي شرط للارتقاء إلى الدّرجة السببيّة التي فوقها.

وتدلّنا هذه العبارة أيضا على التوجيه الرّبّانيّ للأخذ بأسباب الارتقاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت