فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 504
العلميّ والعملي الذي لا يتناهى، ما بقيت في الكون أبعاد يطمح الإنسان إلى اكتشافها، ومعرفة أسرارها وقواها، وما بقيت في الكون أسباب مسخّرة له.
وهذه العبارة نفسها تشعر ضمنا بما توصّل إليه الناس في هذا العصر، من استخدام الأسباب التي سخّرها اللّه لهم، حتّى عرفوا كثيرا من طاقات الكون، واستخدموها لنسف الجبال، واستخراج كثير من كنوز الأرض، وعبور الأجواء، والوصول إلى القمر وبعض الأفلاك، فهل تستطيع الدّول العظمى، المستخدمة لهذه الأسباب، أن تدّعي أنّ لها ملك السماوات والأرض وما بينهما، وتتمرّد على قوانين اللّه وأنظمته في كونه، وأن تكون مشاركة للّه في ربوبيّته لكل شيء؟؟!
وهل تستطيع أن تفرض على اللّه اختياراتها وأهواءها، فيترك من أجلهم ما يشاء ويختار؟!!
ولو اتّبع اللّه الملك الحقّ أهواءهم لفسدت السموات والأرض، ومن فيهن، كما قال اللّه عزّ وجل في سورة (المؤمنون/ 23 مصحف/ 74 نزول) :
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ .. (71) .
وبهذا تمّ الحصار الفكريّ لمكذّبي الرسول في دفع مقولتهم الفاسدة، بشأن محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا؟!!
فقد تضمّن هذا الحصار الفكريّ التّنبيه على أنّ الاصطفاء بالنبّوة والرّسالة، لا يخضع لأهواء الناس ومفهوماتهم الطّبقيّة، بل إنّ اللّه عزّ وجلّ يصطفي بحكمته لرسالته من يشاء من عباده، وهو جلّ جلاله وعظم سلطانه أعلم بعباده، وأعلم بمن يصلح منهم لذلك.
فاستنكاف كبراء كفار مكّة عن الإيمان بنبوّة محمّد ورسالته، على الرّغم من وجود الآيات الباهرات الدّالّات عليهما، واستنكارهم أن