فهرس الكتاب

الصفحة 1860 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 505

يصطفيه اللّه من بينهم، فيجعله نبيّا ورسولا، وينزّل عليه الذّكر، ولا يختار عظيما من عظمائهم لهذه المهمّة العظيمة، واقتراحهم أن يكون النبيّ الرسول المختار رجلا من عظماء رجالهم، إنّما هو تدخّل منهم في خصائص ربوبيّة اللّه في ملكه، وفي تصرّفاته في خلقه، الّتي يتصرّفها بمقتضى حكمته المقترنة بعلمه الشامل كلّ شيء.

واللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه، لم يجعل خزائن رحمته الّتي يمنح منها من يشاء من عباده، ما يشاء بحسب حكمته وعلمه بهم تحت تصرّف أحد من عباده، ولو كان ملكا مقرّبا، فكيف بهؤلاء المعترضين أصحاب الأهواء؟! كيف تكون لهم مقترحات مقبولات لدى العليم الحكيم العزيز في اختيار من يعطي من رحمته، ومن يسمك عنه فلا يعطيه.

وعلى طريقة الحصار الفكريّ حول هذا الاعتراض بالذّات أبان اللّه عزّ وجلّ لهم أنّ هذا الاعتراض يمكن أن يكون مقبولا في إحدى حالتين.

الحالة الأولى: أن يوجّهه مفوّض بالتّصرّف، ومن له حقّ الاعتراض، وقد جاء إسقاط احتمال التّفويض بالتصرّف، واحتمال أن يكون لهم حقّ الاعتراض، في قوله تعالى: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) وقد سبق شرح هذه الآية.

الحالة الثانية: أن يوجّهه من له ملك السّماوات والأرض وما بينهما، فإن كانوا يزعمون أنّ لهم ملك السّماوات والأرض وما بينهما، فليقوموا بعمل ما يثبتون به أنّهم يملكون ذلك بحقّ، لكنّهم لا يستطيعون مع تسخير الأسباب لهم، وقد جاء إسقاط هذا الاحتمال في قول اللّه تعالى: أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (10) وقد سبق شرح هذه الآية. وسبق بيان أنهم لا يستطيعون أن يخالفوا قوانين الرّبّ الخالق في كونه، فهو الحاكم عليهم بقوانينه فيما سخّر لهم، وأمره وسلطانه في المسخّرات هو النافذ، وقوّته هي القاهرة الغلّابة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت