معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 507
أنّ هؤلاء الّذين هم في عزّة وشقاق صاروا يقولون،"نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ"فقال تعالى فيها:
أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) .
وقد سبق شرح هذا النصّ لدى تدبّر سورة (القمر) .
والوعد بنصر المؤمنين وهزيمة الّذين هم اليوم في عزّة وشقاق، في قول اللّه تعالى: جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (11) قد جاء بأسلوب رمزيّ عامّ، يفهمه الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم، ويفهمه أهل الفطانة، والذّكاء والألمعيّة من المؤمنين.
جُنْدٌ ما صيغة مبهمة عامّة، صالحة لأن تنطبق على ذوي العزّة والشقاق، وعلى غيرهم.
جند: اسم جنس جمعيّ يفرّق بينه وبين واحده بالياء، فواحده:
جنديّ، واسم الجنس الجمعيّ يطلق على القليل والكثير، ويجوز في نعته التذكير والتأنيث. والجند العسكر.
[ما] هذه في عبارة"جند ما"وأشباهها تسمّى عند النحاة:"ما الإبهاميّة"وهي الّتي إذا اقترنت باسم نكرة زادته إبهاما وشيوعا. وهذا الإبهام هو المسوّغ للابتداء بالنكرة.
"جند ما"مبتدأ"مهزوم"خبره.
هُنالِكَ في هذه العبارة إشارة إلى المكان الذي سيهزم فيه جند الذين كفروا والذين هم في عزّة وشقاق، فهو مكان بعيد عن مكان نزول النصّ في مكة، لاستعمال اسم الإشارة الموضوع للمشار إليه البعيد، فاللّام في"هنالك"للبعد، والكاف لخطاب الرّسول، وخطاب كلّ مؤمن يدرك رمز الخطاب، ومضمون الوعد المطمئن، على سبيل الخطاب الإفراديّ.