معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 518
والصّبر المطلوب هنا يكون بضبط نفسه عن عدّة أمور:
(1) بضبط نفسه عن مقابلة أقوالهم بمثلها، أو بأشدّ منها، أو بأقلّ وأخفّ منها، لأنّ هذه المقابلة تجرّ إلى تصعيد الشتائم، وتحوّل الدّعوة عن مسيرها.
(2) وبضبط نفسه عن إظهار الغضب والتأثّر والانفعال منها، لأنّ ذلك شيء يسرّهم، ويشفي غيظهم، ويجعلهم يزيدون من توجيه هذا السّلاح القائم على السّباب والشتائم ضدّه، وضدّ الذين آمنوا به واتّبعوه.
(3) وبضبط نفسه عن التحرّك العمليّ للمقاومة بوسائل القوّة المادّيّة، فهذا من شأنه التعجيل بإحداث المواجهات المسلّحة بين المسلمين وأعدائهم، قبل الاستعداد المكافئ لهذه المواجهات ضمن سنن اللّه السّببيّة، وهذا التعجيل رعونة تفضي إلى ما لا تحمد عقباه في مسيرة الدعوة وانتشارها، وتمكّن الّذين كفروا من قمعها، مع اتّخاذ الذّرائع الإعلاميّة لهذا القمع مهما كان عنيفا شديدا.
* وقد سبق أن أمر اللّه عزّ وجل رسوله بالصّبر في سورة (المدّثر/ 74 مصحف/ 2 نزول) فقال اللّه له فيها: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) .
وهذا أمر بالصّبر عامّ غير خاصّ بما يقوله الكافرون عنه، وما يوجّهونه له من شتائم.
ثمّ في سورة (ق/ 50 مصحف/ 34 نزول) فقال اللّه عزّ وجل له فيها:
فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (40) .
وتتابعت أوامر اللّه لرسوله بالصّبر، في مراحل التنزيل المكّيّ، والتنزيل المدني، ويلحق به حملة رسالته من أمته.