معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 520
فقد كان يقوم ثلث اللّيل يصلّي، كما في صحيح البخاري. وقدرة فائقة على الجهاد في سبيل اللّه ببسالة وشجاعة وإقدام، فلا يفرّ إذا لاقى العدوّ.
وقدرة على الصّيام، إذ كان يصوم يوما ويفطر يوما. وكان يأكل من عمل يده في صناعة الدّروع. وكان له صوت قويّ عظيم، فائق الحسن والجمال، يترنّم به في تسبيح اللّه وذكره في الوديان بكرة وعشيّا، فتردّد الجبال صدى تسبيحه وذكره لربّه بترنيم بديع.
إِنَّهُ أَوَّابٌ: أي: إنّه كان كثير الرّجوع إلى مراقبة اللّه وذكره وطاعته، كلّما ابتعد عن ذلك ولو ابتعادا قليلا.
أَوَّابٌ: صيغة مبالغة لاسم الفاعل"آيب"من فعل: آب يؤوب أوبا وإيابا وأوبة وأيبة، إذا رجع، فمعنى"أوّاب"كثير الرّجوع.
وقد أثنى اللّه عزّ وجلّ في القرآن على الأوّابين، أي: على الرّجاعين بالتوبة إلى الطاعة والاستقامة، وأبان أنّه غفور لهم، فقال اللّه عزّ وجلّ في سورة (الإسراء/ 17 مصحف/ 50 نزول) :
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25) .
ووعد اللّه الأوّابين الحفيظين بالجنّة يوم الدين، فقال اللّه عزّ وجل في سورة (ق/ 50 مصحف/ 34 نزول) :
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) :
أي: لكلّ رجّاع إلى ربّه بالتوبة والاستغفار، حفيظ على حقوق اللّه عليه، مهتمّ بأدائها.
وفي سورة (ص) الّتي نتدبّرها وصف اللّه عزّ وجلّ كلّا من داود وسليمان وأيّوب بأنّه أوّاب، أي: كثير الرّجوع إلى اللّه، ولا يكون كثير الرّجوع إلّا من كان كثير عوارض الابتعاد، ولم يرد مثل هذا الوصف في القرآن لغيرهم من الرّسل، إنّما جاء وصف إبراهيم عليه السّلام بأنّه منيب،