فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 521
من فعل"أناب"بمعنى رجع، ولم يأت في وصفه أنّه"أوّاب"بمعنى كثير الرجوع.
فهل في هذا الصنيع القرآنيّ إشارة إلى أنّ اشتغال داود وسليمان بالملك وما فيه من زينة الحياة الدّنيا، واشتغال أيّوب بأمور الدّنيا، وجمع الأموال الوفيرة، قد كان يشعرهم بأنّ ذلك يصرفهم عن مراقبة اللّه دواما، وذكر اللّه دواما، فيؤّوبون إلى اللّه تعالى ذاكرين مراقبين له، ومحاسبين لأنفسه، كلّما وجدوا أنفسهم مشغولين بأمور دنياهم، وبالنّظر إلى تكرّر هذا الأمر منهم، لتكرّر ما يكون منهم من اشتغال بأمور دنياهم، خصّهم اللّه عزّ وجل بهذا الوصف"أوّاب"دون سائر المرسلين المذكورين في القرآن المجيد؟؟.
هذا الفهم غير بعيد، ولعلّ فيه توجيها ضمنيّا للرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أن لا يطلب الملك، ولا المال الوفير من الدّنيا، لئلّا يشغله ذلك، فيصرفه عن مراقبة اللّه وذكره دواما، فيحتاج أن يكون أوّابا إلى ربّه آنا فآنا.
ولهذا لمّا عرض عليه المال الكثير الوفير، وأن تكون له جبال من الذهب، آثر الكفاف صلوات اللّه وسلاماته عليه، حماية لنفسه من أن تشغله أمور الدنيا عن ربّه ومراقبته والحضور معه دواما.
* قول اللّه تعالى: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (18) :
العشيّ: هو الوقت من العصر إلى غروب الشمس في الأرجح.
الإشراق: هو الوقت الّذي يظهر فيه ضوء الشّمس واضحا بعد شروقها، وهو أوّل وقت الضّحى.
تدلّ هذه الآية على أنّ اللّه عزّ وجلّ قد آتى داود عليه السّلام صوتا نديّا عظيما حسنا، يملأ الوادي المحاط بالجبال، إذ كان يترنّم به مسبّحا ذاكرا ربّه بالزّبور بالعشيّ والإشراق، فتردّد الجبال صدى صوته تسبيحا