معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 575
مستتبعة بحساب، في أن تعطي بالمنّ كما تشاء، وفي أن تمسك عن العطاء على ما تشاء.
فَامْنُنْ: أي: فأعط على وجه الإحسان والإكرام، وهذا المعنى هو المناسب هنا، لا المعنى الآخر، وهو الافتخار بالإعطاء، والتحدّث به استعلاء وإشعارا بالتفضّل، أو تذكيرا به للإذلال والتسخير.
المنّ في اللّغة يأتي بمعنيين:
الأوّل: الإنعام والإحسان والإكرام، يقال لغة: منّ فلان على فلان يمنّ منّا، أي: أنعم عليه نعمة طيبة، وأحسن إليه بعطيّة.
الثاني: التحدّث على سبيل التفاخر بالعطاء، أو الإشعار بدونيّة آخذ العطيّة إهانة له.
أَوْ أَمْسِكْ: أي: أو امنع عطاءك بحسب ما ترى.
بِغَيْرِ حِسابٍ: أي: قد أبحنا لك المنّ والإمساك، بغير حساب نحاسبك فيه على ما تفعل، سواء منعت أم أمسكت.
والتقدير: فامنن كما تشاء منّا مصحوبا بغير حساب لك، أو أمسك كما تشاء إمساكا مصحوبا بغير حساب لك عليه.
قوله تعالى: وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (40) .
يلتفت النصّ فيقول اللّه عزّ وجلّ للمتلقّين متحدّثا عن منزلة سليمان عنده، فيبيّن أنّ له عند ربّه قربى، وحسن مآب، كما سبق أنّ قال بشأن أبيه داود عليه السّلام في الفقرة الأولى من هذا الدّرس.
أي: وإن له عندنا لدرجة ومنزلة ذات قرب، وإنّ له عندنا لحسن مرجع في جنّات النعيم.
الزّلفى: اسم يأتي بمعنى القربة والدّرجة والمنزلة.