معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 585
طبيعة الأحكام الشرعيّة المطلوبة لذاتها، ومن أجل هذا أعطاه اللّه طريقة شكلية يبرّ بها يمينه، ولا يؤذي ولا يؤلم بها زوجته الوفيّة البارّة.
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا: الضّغث حزمة من أعواد يقبض عليها بجمع الكفّ، كأعواد شمراخ التّمر، فإذا ضرب بها ضربة واحدة أو ضربتين بحسب عدد أعوادها، أغنته عن ضرب مئة سوط، وبرّ بذلك يمينه ولم يحنث.
وهذه الطريقة هي من الحيل المشروعة الّتي ليس فيها تغيير لمطلوب لذاته في أحكام الدّين، فلا يصحّ إجراء مثلها في حدّ شرعيّ، كجلد الزّاني غير المحصن، لأنّ الجلد المؤلم وفق العدد المأمور به، ممّا هو مطلوب لذاته في أحكام الدّين.
وقد جاء في الإسلام الأمر بالتكفير عن اليمين التي يرى الحالف أنّ غيرها خير منها.
روى مسلم وغيره عن أبي هريرة، أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الّذي هو خير، وليكفّر عن يمينه".
وختم اللّه عزّ وجل النّصّ الذي جاء في سورة (ص) بقوله:
* .. إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) .
في هذا الختام ثناء مؤكّد على أيّوب عليه السّلام بأنّه كان صابرا طوال مدّة ابتلائه بالمكاره، وقد جاء التوكيد ب (إنّ- والجملة الاسميّة) مع استخدام ضمير المتكلّم العظيم المبتلي بحكمته وسلطان ربوبيته: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا.
معارج التفكر ودقائق التدبر ... ج 3 ... 585
جاء في هذا الختام أيضا تقويم درجته ضمن مرتبة الإحسان، بعبارة:
نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ.