معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 587
المخاطب الأوّل في هذا النّصّ رسولنا النبيّ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، ويلحق به من يشاء أن يتأسّى به.
أي: وضع في ذاكرتك للتأسّي والاتّباع ثلاثة من الرسل، شرّفناهم بعبوديتهم لنا، وأعطيناهم ثناء خاصّا، وأرفع تقدير من درجات مرتبة المحسنين، هم إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب عليهم السّلام.
إبراهيم عليه السّلام أبو الأنبياء من بعده، وإسحاق ولده من زوجته سارة، ويعقوب ولد إسحاق من زوجته رفقة، وسمّاه الملك الذي صارعه كما ذكروا"إسرائيل"أي:"يجاهد مع اللّه"باللّغة العبريّة.
هؤلاء ثلاثة رسل ذكرهم اللّه عزّ وجلّ لرسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، بعد أن ذكر له"داود وسليمان وأيّوب"وما تعرّضوا له من فتنة وبلاء، وكيف كان تقويم درجتهم.
أمّا إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السّلام فقد وصفهم اللّه عزّ وجلّ بصفات ترفعهم إلى أعلى درجات مرتبة المحسنين:
* فأثنى عليهم بقوله: أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ: أي: أصحاب الأيدي القويّة العاملة الناصبة في الخيرات، والمجاهدة في طاعة اللّه، والمحسنة لعباد اللّه ابتغاء مرضاة اللّه، وأصحاب الأبصار الدّرّاكة الواعية، وهي أبصار بصيرتهم النافذة إلى معرفة حقيقة الحياة الدّنيا، ووظيفة الإنسان فيها، وإلى معرفة حقيقة الآخرة، وواجب الإنسان نحوها، وما هو الخير والأفضل له للظفر بالمنازل الرّفيعة في الفردوس الأعلى من جنّات النّعيم المقيم، والنافذة إلى معرفتهم باللّه وبحكمته.
دلّ على هذه المعاني تعريف كلّ من"الأيدي والأبصار"بأداة التعريف"ال"الّتي قد يؤتى بها للدّلالة على الكمال، وقد جيء بها في اللّفظتين هنا للدّلالة على كمال الأيدي وكمال الأبصار، وكمالهما إنّما يتحقّق بما سبق بيانه عن أيديهم وأبصارهم.