معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 588
* وذكر اللّه عزّ وجلّ أنّه أخلصهم، أي: اصطفاهم ونقّاهم من الشوائب، بسبب خصلة وعبادة خالصة منهم للّه عزّ وجلّ، هي حضور الدّار الآخرة دواما في ذكراهم، وكانت هذه الذكرى هي الموجّهة لكلّ تصرّفاتهم في الحياة الدّنيا، فقال اللّه تعالى بشأنهم:
* إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) :
إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ: أي: إنّا بعظمة الرّبوبيّة وجلالها اصطفيناهم ونقّيناهم من الشوائب.
بِخالِصَةٍ: أي: بسبب خصلة وعبادة خالصة منهم لنا.
ذِكْرَى: اسم للتذكّر هنا.
ذِكْرَى الدَّارِ: عطف بيان أو بدل من"خالصة"أي: وهذه الخصلة الخالصة النقيّة من الشوائب، هي الاشتغال بتذكّر الدار الأخرة دواما، إذ هي الدار الجديرة بأن تكون هي الدّار الّتي تشغل ألباب أولى الألباب، وذكرى الدار الآخرة دواما يدفع إلى العمل للظفر بأسمى المراتب وأعلى الدّرجات في جنّات النعيم فيها.
إنّ الدّار الآخرة هي الدّار الجديرة بأن تعرّف ب (ال) التي للكمال، أمّا دار الحياة الدّنيا، فالحياة فيها حياة قليلة ضئيلة منغصة بالأكدار، وفانية سريعة الزّوال، وهي لا تستحقّ أن توصف بشيء يشعر بكمالها أو بالثناء عليها.
فمن كان من أولي الألباب أحضر الدار الآخرة في ساحة التذكّر لديه دواما، مع كلّ توجّه لعمل من أعماله الظاهرة والباطنة، الفكريّة والنفسيّة والقلبيّة والجسديّة، وهذا يجعل توجّهه منحصرا في ابتغاء مراضي اللّه، والابتعاد عن مساخطه، وفي اختيار الأكثر ثوابا عنده، والأرفع منزلة لديه، والأكثر قربا منه.