معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 614
الاحتمال الثاني: أنّهم موجودون في النّار، لكن زاغت الأبصار عن رؤيتهم، بسبب حرّ جهنّم وما فيها ممّا تزيغ به الأبصار.
دلّت على هذا الاحتمال عبارة: ... أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (63) .
"ال"في: الْأَبْصارُ عوض عن الضمير، أي: أم زاغت عنه أبصارنا.
زاغت الأبصار: أي: مالت عن سوائها وصحّة نظرها. يقال: زاغ يزيغ، أي: مال، ويقال: زاغ عنه، أي: مال وعدل عنه.
* قول اللّه عزّ وجل: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64) : بعد أن جاء في النصّ بيان صورة من صور التخاصم، الذي سوف يكون بين أئمة الكفر وبين الذين كانوا أتباعهم في الدنيا، وكان ممّا قد يتخيّله بعض المتلقّين، أنّ هذا المشهد الّذي عرضه النّصّ مجرّد مشهد لصورة خياليّة أدبيّة، نظير الصور الخياليّة الأدبيّة التي يصنعها القصّاصون المهرة، كان من مقتضى كون القرآن المجيد حقا وصدقا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، توكيد أنّ هذا التّخاصم الّذي جاء في النّصّ عرض صورة منه هو تخاصم حقّ.
وجاءت الإشارة إليه باسم الإشارة ذلِكَ الموضوع للمشار إليه البعيد، لأنّه أمر سوف يكون يوم الدين، وجاء توكيد الجملة بالمؤكدات:
"إنّ- والجملة الاسمية- واللّام المزحلقة إلى الخبر"فقال تعالى: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌ وجاءت عبارة: تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ جملة مبيّنة للمشار إليه البعيد.
تَخاصُمُ خبر مبتدأ محذوف، أي: هو تخاصم أهل النار. وهذا من بديع الأساليب البيانيّة.
التّخاصم: التّنازع والمجادلة، في ادّعائين مختلفين بين فريقين، كلّ فريق منهما حريص على إثبات ادّعائه وإبطال ادّعاء خصمه.