معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 628
ويتساءل المتدبر: ما الحكمة البيانيّة من جمع مؤكّدين في هذه العبارة: كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ؟
أقول: لقد تنبّه الزمخشري في كشّافه للجواب فقال:"أفادا معا أنّهم سجدوا عن آخرهم، ما بقي منهم ملك إلّا سجد، وأنّهم سجدوا في وقت واحد غير متفرّقين في أوقات"ه
أي: فالتأكيد بعبارة: كُلُّهُمْ أفاد أنّهم سجدوا عن آخرهم، ما بقي منهم ملك إلّا سجد. والتأكيد بعبارة: أَجْمَعُونَ أفاد أنّهم سجدوا مجتمعين في وقت واحد غير متفرّقين في أوقات، تنفيذا للسجود الفوريّ الذي أمرهم اللّه عزّ وجلّ به في قوله: فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (72) .
* إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (74) :
استثناء إبليس هنا هو من قبيل الاستثناء من عموم من أمرهم اللّه بالسجود لآدم، إذ قد وجّه اللّه عزّ وجلّ الأمر بالسجود لملائكة الملأ الأعلى ولمن كان مندسّا فيهم بنفاقه، ومختلطا بهم، معتبرا نفسه أنّه واحد منهم، مع أنّه قد كان من جنس الجنّ الّذين يملكون بخلق اللّه القدرة على الطاعة والمعصية، وهم مخلوقون من مارج من نار، أي: من أخلاط ناريّة، بخاف الملائكة، فإنّهم بفطرتهم لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهم مخلوقون من نور صاف نقيّ.
فالاستثناء هو من قبيل الاستثناء المتّصل، لا من قبيل الاستثناء المنقطع، وحمل لفظ"الملائكة"على أنّه يشمل الملائكة والجنّ خطأ مخالف لدلالات النصوص القطعيّة.
فخطاب التكليف بالسّجود الموجّه للملائكة، موجّه للملائكة ولمن كان مدّعيا أنّه منهم، أو معتبرا نفسه بنفاقه واحدا منهم.
وقد كشف الامتحان إبليس، فأبان كفره بإلهيّة ربّه، وأبان أنّ عنصره