معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 212
أقسم بالقلم وبما يسطر السّاطرون من معارف وعلوم لتثبيتها ومنها ما أنزل عليك يا محمّد من آيات بيّنات تشتمل على الحقّ والخير والهدى، لتكون ذكرى للعالمين، على أنّك لست حالة كونك مفضّلا بنعمة اللّه عليك بالنبوّة والرّسالة وباصطفائك بكتاب ربّك المعجز الّذي أوحي به إليك بمجنون، فالمجنون لا يكون مؤهّلا بحال من الأحوال ليوحى إليه بمثل هذا القرآن، وصفة الجنون لا تتلأم مع هذه النّعمة العظيمة الّتي أنعمت بها عليك، وآثارها ظاهرة عليك أينما حللت وأينما ارتحلت.
(الباء) في عبارة بِنِعْمَةِ رَبِّكَ للمصاحبة والملابسة، والعامل في الحال الذي هو متعلّق الجار والمجرور هو معنى النفي في عبارة: ما أَنْتَ أي: أنفى عنك حالة كونك ملابسا ومصحوبا بنعمة اللّه عليك أن تكون مجنونا.
والنّعمة المرادة هنا: هي نعمة الاصطفاء بالنّبوّة والرّسالة ونعمة إنزال القرآن المعجز على الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم.
فما جاء الرسول محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم من الوحي هو نعمة أنعم اللّه عزّ وجلّ بها عليه، وهذه النّعمة ذات أثر حقيقيّ تدرك العقول الحصيفة الرّشيدة عظمته، بما تشتمل عليه من حقّ وخير وهدى وإعجاز بياني وعلميّ وتشريعيّ وخبريّ، وهذه الأمور لا يمكن أن تصدر عن تخيّل أو جنون، فكمال العلم، وكمال العقل، وكمال الحكمة، لا يمكن أن يأتي بها جنون.
فما أنت يا محمّد بحملك لهذه النعمة العظمى من ربّك بمجنون، فلا يضيرك أن يقول المكذبون لك الذين يحسدونك على ما آتاك ربّك: إنّه لمجنون، وليعلموا أنّ ربّك الذي اصطفاك بهذه النعمة يبرّئك ممّا اتّهموك به، إذ أنت في ذاتك بريء منه، وسيثبت للجميع أنّك أكمل الناس عقلا وخلقا.