معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 211
على النّاس جميعا، ولا يقتصر حاله على تفضيل علميّ ذاتيّ، بل هو يدعو النّاس إلى تدبّر ما ينزل عليه من بيان ربّاني، وتفهّم معانيه، وإلى استخدام القلم والكتابة في تسجيله وجعله كتابا مسطورا، لمتابعة تفهّمه وتدبّره ما بقي في الدهر دارسون متفهّمون للنصوص متدبّرون.
وفيه أيضا تثبيت للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على حمل رسالته مهما ناله من أذى من قومه.
وفي الإشارة إلى هذا الدليل بأسلوب خطاب الرسول خطاب تسلية وتثبيت، تعريض بسخف عقول متّهميه بالجنون، وأنّ مقالتهم لا يمكن أن يكون لها رواج في الناس، وهو يتلو على الناس قرآنا فيه الحقّ والخير والهدى، ويعرض نفسه للباحثين الدارسين المتدبّرين، ويطلب منهم أن يتعلّموا الكتابة والقراءة، وتدبّر ما يسطرون ممّا ينزل اللّه عليه من قرآن.
واقتضت الحكمة التربويّة في هذه المرحلة الأولى أن لا يواجه اللّه عزّ وجلّ متّهمي الرسول بالجنون بالخطاب المباشر الذي يبين فيه فساد مقالتهم، تلطّفا بهم، وإيثارا لأسلوب التدرّج الارتقائي في الوسائل، من التعريض إلى التصريح ثم إلى المواجهة بالخطاب، ثمّ إلى التعنيف فالشتيمة إذا اقتضى الأمر ذلك.
وقسم اللّه بالقلم وسيلة تدوين المعارف والعلوم، وبما يسطر السّاطرون من مكتوبات علميّة يثبّتونها، للرّجوع إليها آنا فآنا، بغية تذكّرها، ولتنتفع الأجيال المتلاحقة منها، عصرا فعصرا، وقرنا فقرنا، هو في الحقيقة قسم بصفات اللّه الّتي كان من آثارها في تدبير الخلق منح الإنسان القدرة على استخدام القلم، في كتابة العلوم والمعارف وتسجيلها، وهدايته إليها، وتسخير الوسائل لجعل الكتابة عماد تدوين المعارف والعلوم وتثبيتها.
وتحليل العبارة القرآنيّة يكون على الوجه التالي: